ظلمة الطبيعة من العلوم النظرية والمسائل التي تبتنى على القوة الفكرية التي لا تخلو عن حدس الحسّ الظاهر أو الباطن ، وأثر ظلمته نحو البراهين الفلسفية والحجج الكلامية .
فإن كنت منّي ، فانح جمعي وامح فر ق صدعي ، ولا تجنح لجنح الطبيعة
قوله : فانح ، أي : اقصد ولا تجنح ، أي لا تمل ، والجنح : طائفة من الليل استعار به عن ظلمة جهل الطبيعة وخفاء الحق فيها .
يقول : بعد أن فرغ من التقرير بلسان الجمع والتحرير في بيان أعلى مراتبه راجعا إلى لسان التفرقة على سبيل الإرشاد مخاطبا لمن له استعداد قبول الهداية إلى السداد . أيها الطالب المسترشد إن كنت من جملة الداخلين في حيطة حقيقتي وحقيقة متابعتي والتابعين لسنن طريقتي وشريعتي ، فاقصد حضرة جمعي التي قصصت لك حديثها ، وبيّنت علوّ درجتها ، وامح عن نفسك وذاتك أحكام تفرقة مضافة إلى آثار تميّز وبينيّة وإثنينيّة وأجنبية هي من مقتضيات حكمتي البالغة ، فإن قصدك إلى حضرة جمعيّتي المذكورة لا يتهيّأ لك إلّا بهذا المحو قولا وفعلا وخلقا واعتقادا وعلما وعملا .
واعلم أن أعظم أحكام التفرقة المذكورة المانعة عن التحقّق بحقيقة هذه الجمعية ميلك إلى علوم نظرية فلسفية وكلامية جميع براهينها وحججها مبنيّة على القوة الفكرية التي لا تخلو عن حكم ظلمة الطبيعة ، فإيّاك والميل إلى ما يشوبه أثر ظلمة الطبيعة كائنا ما كان من علم وعمل واعتقاد ونيّة وخلق وسير وسلوك وعلى التخصيص من العلوم ، فإن حجابيتها أغلظ وأكثف من جميع الحجب .
فدونكها آيات إلهام حكمة ، لأوهام حدس الحسّ ، عنك ، مزيلة
دونك ودونكه ودونكها : كلها استعملت في الحسّ والإغراء ، وهي بمعنى خذ ، لهام : ضرب من الوحي وهو ما يلقى من جانب الحق بواسطة أو بلا واسطة ، حكمة : علم أحكم مبناه إما ببرهان عقل ، وذلك أدناه ، أو بكشف سماع أو شهود عياني ، وذلك أعلاه ، وهو المراد ههنا ، والوهم : أحد قوى الحسّ الباطن من حكمة تصوير المعاني حقّا أو باطلا صورة خيالية ، وجعل الصور معاني موهومة أو معقولة ، ولأجل أن أكثر ميلها إلى ما لا أصل له ولا حقيقة سمى الغلط والظنّ الباطل وهما ، والمراد بالأوهام ههنا الشكوك والظنون الواردة على تصوّر الشيء