تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
من النجاة شيئا ، قال : نعم كما ترجوه أنت ومثلك من سعة رحمته التي هي وسعت كل شيء ، فأنا شيء بلا شك ، فقال له سهل : ويحك أليس إنها مقيدة بالتقوى والطهارة ؟ فقال : مه يا سهل التقييد والتقيّد وصفك لا وصف ذاته المطلقة عن كل قيد وإطلاق .
وفي رهبوت القبض ، كلّي هيبة ، ففيما أجلت العين منّي أجلّت الرهبوت : مبالغة في الرهبة ، وإجالة العين : تقليب النظر وترديده في مدركاتها ، وفاعل أجلت هيبة ، والمفعول محذوف ، وهو ما أدركته العين ، ومني : أي من عين ذاتي من حيث عظمة إطلاق غيبها السارية في كل شيء في ضمن تجلّيها المددي الواصل إلى ذلك الشيء ، فيكون الجار والمجرور حالا من مفعول أجلت . يقول : وإذا ورد شيء من التجلّيات الغيبية الكنهية الإطلاقية المتوالي ورودها للإمداد ، واتّصل بقلبي بوصف قهر إطلاقه وسطوة غناه الذاتي وستره بذلك القهر وسطوته الأحدية جميع أحكام التعيّنات والعلوم والآمال والرغبات وأماني القربات ووسائل التحقّق بالمقامات والكمالات يصير حالتئذ كلّي وجزئي وظاهري وباطني بأجمعها هيبة
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : الآية 9 ] ، وليت رب محمد لم يخلق محمدا لسان تلك الحال ، وحيث انقسم ذلك التجلّي بحكم الإمداد على كل موجود سرى أثر تلك العظمة والهيبة فيه ، ففي كل ما قلبت طرفي فيه وأدركته بعيني عظمته في عيني تلك العظمة والهيبة السارية مني ، أعني من عين ذلك التجلّي الغيبي الذاتي الإطلاقي في ذلك الشيء المدرك لعيني وهيبته في قلبي وأجلته في ظاهري وباطني بحيث أهاب ذاتي من حيث كل ما أدركته عيني وأفزع تلك الحضرة من جميع الجهات والحيثيات وأجلها عن الانبساط معها بعرض الحاجات وسؤال إنجاح المطالب وتقاضي الإسعاف بجميع المآرب وأعظمها برعاية الأدب وشرائطه في حضرتها ، وذلك تحقيق قوله : ففيما أجلت العين مني أجلت ، فالحاصل أن ظهور التجلّي المددي بوصف جمال الرحمنية والرحيمية يوجب انبساطي ورغبتي وإقدامي على الطلب والسؤال وظهوره بوصف جلال وحدانيّته ، وإطلاق غناه يستلزم انقباضي ورهبتي وإحجامي عن التعرّض لعرض حال من الأحوال ، ووقوفي على قدم العجز والقصور والضعف عن القيام بحقوق التعظيم والإجلال ، وكلا الأمرين من جملة ما يعدّ جميلا من الخلال .