ونحوها بحيث يراه على بعد المسافة ، كأنه بين يديه ، كما رأى عمر رضي اللّه عنه سارية .
والقسم الثاني أن يظهر حقيقة معنوية أو روحانية أو مثالية في صورة مثالية لنظر هذا الرائي مثل ظهور حقيقة العلم في صورة الماء ، وفي صورة اللبن ، ومثل ظهور جبرائيل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ، ومثل تمثل الجنّة والنار في عرض الحائط لنظر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم كسوف الشمس ، وفي هذا القسم الثاني ربما يحتاج إلى التأويل بالعقل مثل تأويل الرؤيا حتى إذا وقع فيه غلط يكون ذلك من جهة تأويل العقل ، لا من جهة الكشف .
وأما القسم الثالث من الكشف الصوري أن تنشىء نفس المكاشف بقوة كماليتها صورة مثالية وتحضرها عند غيره ليكشف ذلك الغير عنها أخبارا يريدها .
وأما القسم الثاني من الكشف ، وهو الكشف المعنوي الذي آلته البصيرة ، فهو أيضا ثلاثة أقسام : قسم ينكشف لبصيرة الروح الروحانية ، وقسم ينكشف للسرّ الوجودي وبصيرته ، والذي ينكشف للروح الروحانية نوعان : نوع ينكشف لبصيرتها شيء من جهة روحانيتها فحسب ، ونوع آخر ينكشف لبصيرتها شيء من حيث انصباغ بصيرتها بنور اللّه الساري فيها ، فيتفرّس بنور اللّه من وراء ما كوشف به من فهم أسماء اللّه تعالى وصفاته ، وهذا النوع يقال له كشف الفراسة كأنه يفترس ويصطاد شيئا وراء ما كوشف به نحو افتراس الأسد صيده .
واعلم أن التجلّيات الغيبية لا تزال متوالية على قلب الكامل لأجل الإمداد ، فتارة ترد في تنزّله على الحضرة الرحمنية الرحيمية ، فينبسط عنها منصبغة بوصف كمال الرحمة وشمول إحسانها ، ويظهر بوصف الانبساط على قلبه ، فيكون تجلّيات جمالية مستلزمة شمول الرغبة ، فكل من وصل إليه بحكم قبول المدد من ذلك شيء انبعث من باطنه آمال ورغبات دينية أو دنيوية بحسب حال القابل ، وتارة ترد بحكم سطوات إطلاق الغيب والبطون وقهر عدم الملاءمة على القلب ، فينقبض ويصير ذلك موجبا للخشية والرهبة ، وكل من حظي بها تعرّض له هيبة من كل شيء ورهبة في كل أمر ، وتارة تنصبغ بحكم سوائيّة القابلية وعدالتها ، فتكون متوسّطة بين الرغبة والرهبة لا يغلب طرف على طرف ، وهذا المعنى ذكره في هذه الأبيات الثلاث .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 209
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٠٩