تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وفي رحموت البسط ، كلّي رغبة بها انبسطت آمال أهل بسيطتي الرّحموت : مبالغة في الرحمة . يقول : إذا توالى ورود التجلّيات عن غيب الغيب لأجل الإمداد بالخلق الجديد مع الأنات وردت على حضرة الرحمنية والرحيمية وانصبغت بوصفها وبحكم شمول إنعام تلك الحضرة وعموم إحسانها وانبساط آثار جمالها ولطفها وحنانها ، ثم وردت على قلبي بحكم ذلك الانصباغ والانبساط وسرى أثر ذلك الانبساط في ظاهري وباطني وكلّي وجزئي صار كل كلّي وأجزائي وجسمي ونفسي وروحي وقلبي وسرّي وصورتي ومعناي ، حالتئذ رغبت في التحقق بما وراء أنهى مراتب الكمال وأعلى درجات الكلّية والاشتمال ، وبتلك الرغبة الشاملة كلي وأجزائي وصورتي ومعناي ، وبأثرها تنصبغ تلك التجلّيات الواردة على قلبي ، فتنقسم تلك الرغبة في ضمن انقسام تلك التجلّيات المددية على جميع المكوّنات من بسيط الأرضين إلى بسائط السماوات ، وتظهر تلك الرغبة المنبسطة على أهل البسيطة والبسائط بصور آمالهم وأمانيهم كلّها المتعلقة بدنياهم من اللذّات الحسّية نحو المآكل والمشارب الهنيّة والملابس الشهيّة ، ومن اللذّات الوهمية من الجاه والحشمة والملك والتصرّف والحكم والذخائر والدفائن ، وبصور الآمال الأخروية إلى الفوز بالنجاة ونيل الدرجات وقضاء الحاجات واللقاء الدائم والشفاعة في كل صاحب وقريب ملازم ، وبصور آمال الكمل من الرجال إلى البلوغ إلى أعلى درجات الكمال ، وذلك معنى قوله :
بها انبسطت آمال أهل بسيطتي
أي : بسيطة الأرض بطريق أن غيرهم مندرج فيهم في ضمن الصور الإنسانية ، ومن هذا المقام ما ورد في الخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام يوم عرفة في حجة الوداع في مقام الإلحاح في السؤال ، وكلما يبالغ في ذلك تظهر آثار الإجابة على عقيب السؤال على منوال :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
( 5 ) [ الضّحى : الآية 5 ] ، حتى إن أثر انبساط تلك الرغبة وصل إلى إبليس لكثرة ما شاهد من نزول الرحمة وسراية أثر تلك الرغبة فيه أيضا . قيل : إنه امتدّ ذلك اليوم أعناق طمع إبليس في قبول عذره وتوبته ، وشوهد ذلك منه على ما ورد إشارة إلى ذلك ، ومن جملة ذلك ما ورد أن سهل بن عبد اللّه رأى إبليس ذات يوم ، فقال له : هل ترجو
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 210 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني