تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وهذا المعنى بعينه معنى به تزيّنت كل صورة بزينة الحسن ، وبه كان ظهور معنى صاحب هذا النفس الطيّب في عالم التركيب ، وترتّبت جميع الكمالات وأحكمت مباني الحكمة في إيجاد الأشياء التي تخفي حسنها وخبرها وكمالها ، ويبدو لظاهر النظر القاصر فتحها وشرها ونقصها مع اشتمالها على كمالات وخبرات ومحاسن تكاد أن لا تنحصر كثرة مخفيّة في غاية الخفاء .
وفي كلّ معنى ، لم تبنه مظاهري ، تصوّرت ، لا في صورة هيكليّة قال : وكما أني تمعنت في عالم التركيب والكثرة بكمال لطفي وقوتي وكمال غيريتي وسوائيّتي في باطن كل صورة مركبة تزيّنت عن معناي بزينة الحسن ، لذلك تصوّرت في عالم بساطة المعاني ووحدتها بكمال إحاطتي وقدرتي في باطن كل معنى لطيف بسيط لم تظهره مظاهري المعنوية والروحانية والمثالية والحسّية ، وظهرت في باطن ذلك المعنى تصور علوم ذاتية ومعارف ذوقية وتجلّيات أصلية ، ولطائف أسرار كلّية حقية لا في هيئة صورية خلقية . قلت : كأنه أراد بهذه المعاني التي لم تبنه لمظاهر أسماء اللّه العظمى التي لم ترد لها صور وأسماء وألفاظ دالّة عليها ، كما وردت في سائر الأسماء بصور وألفاظ دالّة عليها كاسم اللّه والرحمن والرحيم ونحوها ، ولهذه الأسماء العظمى صور مخفية في ذواتها ومعانيها لا تعلم تلك الصور إلّا بعد الوقوف على تلك المعاني بخلاف سائر الأسماء التي لا تدرك معانيها إلّا بصورها ، وإلى ذلك إشارة في قوله في المناجاة : « أو علمته أحدا من عبادك » « 1 » ، وإنما كان كذلك لابتناء أمر التصرّف بالإبقاء والإفناء والإيجاد والإعدام على علمها ؛ كما أشار إلى ذلك بقوله : « وآثارها في العالمين بعلمها » ، ولا يعطى ذلك العلم إلّا متمكّن حافظ عهد وثيق كما بينّا .
وفيما تراه الرّوح كشف فراسة خفيت عن المعنى المعنّى بدقّة أراد بالروح ههنا الروح المحمدي الذي هو القلم الأعلى ، وأراد برؤيتها الرؤية بالبصيرة ، وأراد بقوله : كشف فراسة ظهور ذلك المدرك لبصيرة الروح بأن تدرك معنى خفيّا ، ثم يتفرس منه ، أعني تفهم بطريق الفراسة معنى آخر وراء
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .