ونفسي على حجر التّجلّي ، برشدها ، تجلّت ، وفي حجر التجلّي تربّت
التجلّي : التزيّن بالحلى ، والحجر - بالفتح - : المنع ، وأصله أن تجعل حول المكان حجارة يمنع عن الدخول فيه ، وسمّى ما أحيط بالحجرة حجرا - بالكسر - ويستعمل الأول المصدر في المنع نفسه وهو المراد ، والثاني فيما يقال : فلان في حجر فلان ، أي في منع فلان ، وحماية عن التصرّف في ماله وكثير من أحواله .
يقول : كما أن اليتيم الصغير وإن بلغ كان في حجر من جهة الشرع حتى يؤنس منه التجلّي برشد في حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله وتصرّفاته الموافق للعقل والشرع ، كذلك السالك السائر وإن بلغ رتبة الفتح بتجلّ مقيّد لم يؤذن له بإطلاق التصرّفات عموما حتى يؤنس منه رشد التمكّن في أحواله وتلوّناتها والثبات على الستر وقوّة كتمان الأسرار .
قال : فأنا الآن في رتبة كمال التمكّن ، فإن نفسي تخلّت بالكلّية عن كونها محجورة عن الإطلاق في التصرّفات قبل ظهور تجلّيها بحلية التمكين الحقيقي في جميع تلوينات الأحوال الظاهرية والباطنية والجمعية برؤية الغيرية والضدّية والتلوينات الغيبية أيضا ، وحيث تخلّت عن ذلك الحجر بالكلّية تجلّت لها الحضرة الأحدية الجمعية وتربّت في حضنها ، ودخلت في منعها وحمايتها ، وأطلقت لها التصرّفات كلّها قول عائشة رضي اللّه عنها : « ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى حلّت له جميع النساء » ، إشارة إلى ما قدرنا تفهم منصفا باللّه عليك .
وكما أن السيّار إذا بلغ مبلغ محبوبية فإذا أحببته ، حينئذ يتخلّص عن وثاق قيد الزمان وأحكام ماضيه ومستقبله ووقع في الحال ، وفي الحال يتجلى له الوجود الحقّ الوحداني الذي هو عين الرحمة التي عمّت ووسعت كل شيء منه سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ، فيعلم ويتيقّن حالتئذ أن سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله التي كان إلى الآن به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يبطش وبه يسعى لم تكن غير الحقّ ، وكان قبل هذا يخال أنها غير الحقّ ، وبالتجلّي بان أنها عنه كما قال : « كنت سمعه وبصره » ، كذلك بدا لي عند تحقّقي بالتجلّي الأحدي الجمعي ووقوعي في حجر تربيته أنه لما تنزّلت تلك القابلية الأولى التي هي عين حقيقتي بصور تفصيلها الظاهرة بصور القوابل في المراتب الإلهية والكونية ، وتنزل التجلّي الأول بصورة تفصيله النسبي الظاهرة بصور الأسماء الإلهية والجواهر الكونيّة قلما
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 199
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٩٩