تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
في حقّ جميع المسلمين ذلك أيضا مما خصّهم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خصائص الفضائل والكرامات والآيات .
وللأولياء المؤمنين به ، ولم يروه اجتنا قرب لقرب الأخوّة وقربهم معنى له ، كاشتياقه لهم صورة ، فاعجب لحضرة غيبة يقول : والحاصل من تلك الفضائل للأولياء المؤمنين برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حال عدم اجتماعهم به في الظاهر ، وعدم رؤيتهم إياه بالصور خصوصية قرب لأجل القرب المضاف إلى الأخوّة ، حيث قال صلى اللّه عليه وسلم في حقّهم : « واشوقاه إلى لقاء إخواني » « 1 » ، قيل : يا رسول اللّه ألسنا إخوانك ؟ قال : « لا ، أنتم أصحابي ، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني » « 1 » الحديث ، وإنما سمّاهم إخوانا مع أنه من حيث تعيّن حقيقته ونوره الذي هو التجلّي الأول أصل حقائقهم ووجودهم وهو أبوهم من هذا الوجه ، إلّا أنه بالنظر إلى الغيب الحقيقي الذي يجمعه وإيّاهم حكم سوائيّته بين التعيّن واللاتعين ، وبين المطلق والمتعيّن مثل سوائية الأبوّة بين جميع الأخوّة هم إخوانه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك لأنه لما كانت حقيقته صلى اللّه عليه وسلم هي الجامعة بين نسبة الواحدية وبين نسبة الأحدية ونسبة أحديته غيب دائما ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لا يزال متوجّها إلى الغيب الحقيقي ومؤمنا به برابطة أحدية حقيقته ، وهم متوجّهون إليه أيضا من كونه غيبا عنهم ومؤمنون به من هذه الجهة ، فجمعه وإيّاهم حكم أصل الغيب والتوجّه إليه والإيمان بالغيب المرتبط بحقيقته صلى اللّه عليه وسلم ، لهذا سمّاهم إخوانا وأظهر الشوق إليهم ، وذلك في الحقيقة شوق إلى نفسه من حيث غيبه الغالب عليهم حكمه والظاهر فيهم أثره ؛ فلا جرم كان لهم بكمال الإيمان به وبكمالاته عن ظهر الغيب وحسن متابعتهم إيّاه في غيبته عنهم مزيد قرب بهذه الأخوة ، وقربهم إليه كان بطريق المعنى كنزاعه وشوقه إليهم بطريق الصورة ، فانظر عجبا لحضرة مضافة إلى غيبة ، أعني لما كان القرب مؤذنا بالحضور والشوق منبئا عن الغيبة ، فالشخص الواحد يكون حاضرا وغائبا معا هو من العجائب .
هامش
( 1 ) روى نحوه مسلم في صحيحه ، باب استحباب إطالة الغرّة . . . ، حديث رقم ( 249 ) [ 1 / 218 ] ؛ وروى نحوه ابن حبان في صحيحه ، ذكر العلامة التي بها . . . ، حديث رقم ( 7240 ) [ 16 / 224 ] ؛ وروى نحوه غيرهما .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 196 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني