تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الواقع . وصدق في الفعل ، وهو مثل أنه إن كسب أو عمل مثلا للجمع والادّخار لا يظهر أنه إنما يعمل ويكسب لضرورة الاقتيات وإيصال الخير للغير ، أو إن تعلم للمباهاة وطلب الجاه أو المال أو الرفعة والمناصب لا يظهر أنه يتعلم لرفع الجهل ، أو لنفع الخلق ، أو التخلّق بالحقّ ونحو ذلك . ونوع ثالث : صدق في الحال ، وهو أن لا يظهر حال الرّضا ، وفي نفسه تسخّط مما يجري عليه من مكروهات النفس أو لا يظهر حال التوكّل ، وفي نفسه تطلع إلى الغير ، وأن لا يظهر الثقة وفي نفسه الثقات إلى السبب ، ولا يظهر الفقر ، وفي نفسه شيء سوى ما هو فقير له وإليه . وأمّا الصديق ، فهو الذي صار له هذه الأنواع الثلاثة ملكة بحيث لا يتخلّف أصلا ، ثم يصدق قوله فعله وحاله ، ويصدق حاله فعله وقوله ، ويصدق فعله قوله وحاله ، ومقام الصديقية قيل إنه تلو مقام النبوّة ، على معنى أن أقرب وصف إلى النبيّ وأنسب بحاله ومقامه إنما هو الصديقية ، فإن مبنى النبوّة من جهة الإخبار عن الحقّ إنما هو الصدق ؛ لهذا كان مقام الصدّيقية تلو النبوّة ، ويؤيّد هذا ما روي في بعض الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان سبقته فاتبعني ، ولو سبقني لاتبعته » « 1 » ، يعني : أن الصديقية ذاتية له كما أنها ذاتية لي ، ولمّا كان من جملة استعدادات قبول النبوّة هذه الصفة الصديقية ، وكنت أنا وأبو بكر فيها على السواء من جهة أنها من ذاتياتي وذاتياته ، لكن سبقته بالعناية الأزلية ، فأدركت مقام النبوّة واقتضت صديقيته أن يتبعني هو ، ولو سبقني بتلك العناية كانت صديقيّتي تقضي أن أتبعه . يقول : كل ما كان من الأنبياء والمرسلين وأولي العزم منهم ظاهرا من الآيات وخوارق العادات بصورة المعجزة صار بعد النبيّ الأميّ الأصل الجامع عين تلك المعجزة أو مثلها ظاهرا بصورة كرامة من قبل الحق تعالى مضافة إلى صديق من متابعيه أو خليفة له ، يشير إلى أن الكرامات مختصّة بمقام الصديقية والخلافة بواسطة أو بغير واسطة ، أعني أن الخلفاء على قسمين : قسم هم الخلفاء بلا واسطة ، من حيث إنهم جامعون جميع الأسماء الإلهيّة الكلّية التي يتوقف عليها الأمر الإيجادي ، وهي الأئمّة السبعة غير أنه يظهر أثر خفيّ
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده بلفظه فيما لديّ من مصادر ومراجع .