فعالمنا منهم نبيّ ، ومن دعا إلى الحقّ منّا قام بالرسليّة
يعني : لما كان الأنبياء عليهم السلام مرتفعون بالعلم باللّه وبأسمائه وصفاته الذي هو المقصد الذي لا غنى عن الرجوع إليه بموجب :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : الآية 123 ] ، وهذا هو علم الحقيقة ، ومرتفعون أيضا بعلم كيفيّة الرجوع إليه ، وطريقة علم الآفات الطارئة على سائري هذا الطريق من دسائس النفس وشهواتها الخفية وشرابها الخفي من كل ما يبدو من الحسنات منها المعنى بما قيل : « حسنات الأبرار سيئات المقرّبين » ، وبإزالة الانحرافات عن الأخلاق وتبديل مذمومها لمحمودها ، وتحقيق المقامات من التوبة ، والزهد ، والمراقبة ، والتفويض ، والتسليم ، والثقة ، والتوكّل ، والرّضا ونحو ذلك ، وهذا هو علم الطريقة الذي يقال إنه علم بكيفيّة تعديل الهيئات النفسانية والروحانية ومرتفعون أيضا بعلم تعديل الهيئات البدنية الجسمانية بطريق إزالة أحكام الانحرافات في القول ، والعمل ، والحركات ، والسّكنات ، وترك العادات ؛ وذلك هو علم الشريعة ، وكانوا مخبرين كل من يسألهم شيئا مما ذكرنا من كل ما أشكل عليهم بحلية الأمر على ما هو عليه ، وكذلك في هذه الأمّة المحمديّة جماعة أكرمهم اللّه تعالى بمتابعة نبيّهم صلى اللّه عليه وسلم بالتحقيق بالارتفاع بهذه العلوم الثلاثة بعد تحقّقهم بحقيقة تعديل الهيئات البدنية ، وتعديل الهيئات النفسانية والروحانية ، وتحقيق المقامات المذكورة ، وشهود الحق بموجب كون الحق تعالى سمعهم وبصرهم ولسانهم ويدهم ، فبه يسمعون وبه يبصرون وبه ينطقون وبه يبطشون ؛ لهذا قال : فعالمنا ، يعني بهذه العلوم الثلاثة بطريق التحقّق بأصلها ومنشئها من هذه الأمّة المحمدية هو في حكم النبيّ مما سلف من القرون الماضية ، يعني كل من تحقّق بهذه العلوم الثلاثة من أهل القرون الماضية ، وارتفع بحكم العناية الأزلية بها كان نبيّا ، وفي الأمّة المحمدية منّا كان عالما كامل العلم ، وكان كل من ارتفع بهذه العلوم الثلاثة ، ثم أمر بالدعوة إلى الحق كان رسولا ، وكذا كل من دعا من هذه الأمّة منّا إلى الحق بحكم إذن خاص من قبل الحق تعالى كان قائما بحق الرسولية ، مع أنه في الحقيقة لا يكون رسولا .
توضيح : اعلم أن كل اسم من الأسماء الكلّية ، نحو : الحيّ والعالم والمريد وأمثالها له نقطة وسطية نسبة جميع الأسماء المنتشئة من ذلك الاسم إليها على السويّة ألا وهي نقطة الولاية ، ولحقيقة ذلك الاسم الكلّي مثل الحياة والعلم