تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
التوقيف ، وهم الأنبياء والمتمكّنون من الأولياء ، وإذن عام بالنسبة إلى أرباب التصرّف من أصحاب الولاية ، وهم المتوسّطون من أهل التمكين الظاهري ، وحقيقة الإذن إنما هو توجّه وحداني مضاف إلى الحضرة الجمعية أو أحدية الجمع إلى إظهار أمر خاص مبنيّ على حكمة ومصلحة خاصّة ، وهو مختصّ بأهل التوقيف أو إلى إظهار أمر عام مبني على حكمة أو مصلحة عامة ، وذلك مختصّ بأهل التصريف من المتوسّطين . ألا ترى أن كل أثر أضيف إلى عيسى عليه السلام وإلى ظاهر قوله وفعله قرن بذكره ذكر إذن خاص مضاف إلى حضرة الجمع المذكور ، حيث قيل :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي
[ المائدة : الآية 110 ] ، بهذا قال . وسرّ الانفعالات الإذن الحاصلة لظواهر الأشياء عن ظاهر آخر صادر فعلها عن إذن خاص حال كون ذلك الإذن باطنا في كل مؤثر ظاهر أو باطن بحيث لا يضاف ذلك التأثير إلّا إلى ذلك الإذن هو ما أوصله بإذنك لفظي ، أي بياني أو قولي الكتاب العزيز بإذني مكرّرا . إيضاح آخر : إذا أثر مثلا إنسان بفعل ضربة أثرا بيّنا في جسم إنسان آخر بحيث ظهر أثر الانفعال من ذلك الضرب في ذلك الجسم كان ذلك التأثير والفعل لا يضاف إلّا إلى القوة الباطشة الباطنة في يد ذلك الضارب ، وإن كان الضرب لم يبد إلّا من ظاهر يده ، ثم إذا أمعنت النظر لا يضاف ذاك الفعل والضرب إلّا إلى النفس ، التي هي أصل تلك القوّة وباطنها ، ثم بعد إمعان نظر آخر يظهر لك أن ذلك التأثير والفعل لا يضاف إلّا إلى السرّ الوجودي الذي هو باطن النفس ، ثم أنه لا يضاف إلّا إلى جمعية الوجود التي هي أصل التأثيرات ومنبعها ، فإن كان هذا الضارب من الأنبياء أو الأولياء يشاهد عين ذلك الفعل والضرب حاصلا وظاهرا من عين هذا الجمع الذي هو باطن الجميع ، غير أن صاحب التمكين الأول من الأولياء يضيفه إلى مصلحة عامة في نفس فعل الضرب وحصوله . وأمّا الأنبياء وأرباب التمكين الثاني والثالث والرابع ينظرون فيه ويرعون فيه مصلحة وحكمة أخرى خاصة بحسب اقتضاء الزمان ، ويتوجّهون في إظهار ذلك الفعل إلى حضرة الجمع المذكور طالبين فيه إذنا خاصّا ، ويظهرون بحسبه وحكمه ، فلا يضاف جميع التأثيرات بالنسبة إلى شهودهم إلّا إلى ذلك الإذن الخاص
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 185 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني