تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الأنبياء والرسل وأولي العزم من جهة نبوّاتهم ورسالاتهم ؛ لكونه جامعا بالذات وبالذوق وبالشهود الشامل الجامع جميع العلوم والأسرار والآيات ومغنيا بالكتاب والشرع الكاملين المغنيين بجمعيّتهما واشتمالهما على جميع أنواع البيان والهداية إلى أعلى مراتب الإيمان والإحسان عن كل نبيّ ورسول وأولي عزم ، وكل كتاب وشريعة مقيّد الحكم ، وعن كل هداية مختصّة بأثر اسم خفي أو جلي أفاض علينا أسرار جميع هؤلاء الأنبياء وآثارهم وآياتهم التي جمعها بحقيقته الجامعة أسرار الأوّلين والآخرين ، مع خصوص معجزاته العظيمة وآيته العميمة ، وهو القرآن الحاوي علوم السابقين واللّاحقين مع إشارات وإلماعات من مقامه الأعلى الذي هو مقام أو أدنى يفهم منها أن جميع الأنبياء والرسل كانوا أتباعا وفروعا لحقيقة هذا الأصل ، وكانت دعوتهم عن نيابة وخلافة من هذا الأصل المحمدي الأحمدي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه كان أصلهم وكلّهم ومنشأ ظهور تفاصيلهم ، واللّه أعلم .
وما منهم ، إلّا وقد كان داعيا به قومه للحقّ ، عن تبعيّة يعني : لما كان بموجب : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » ، يعني : بين العلم وبين الصورة الطينية الآدميّة لم يكن داع حقيقي من الابتداء إلى الانتهاء ، بل من الأزل إلى الأبد إلّا هذه الحقيقة الأحمدية التي هي أصل جميع الحقائق الفاعلة والقابلة كان جميع هؤلاء الأنبياء ، كالأجزاء والتفاصيل لحقيقته ، فكانت دعوتهم من حيث جزئيتهم عن خلافة من كلّهم لبعض أجزائه ، وكانت دعوتهم دعوة الكل لجميع أجزائه إلى كلّيته ، والإشارة إلى ذلك قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
[ سبأ : الآية 28 ] ، والأنبياء والرسل وجميع أممهم وجميع المتقدمين والمتأخرين داخلون في كافة الناس ، فكان هو داعيا بالأصالة وجميع الأنبياء والرسل يدعون الخلق إلى الحقّ عن تبعيّته ، وكانوا نوّابه وخلفاءه في الدعوة وإظهار آياتهم ومعجزاتهم الجزئية ، وهو أصلهم في الدعوة وإظهار آيته ومعجزته الكلّية التي هي القرآن العزيز المخصوص به لا يشاركه فيه غيره لجمعيته لفظا ومعنى ، جمعا وفرادى .
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2017 ) [ 2 / 173 ] .