تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وفي آل إسرائيل مائدة من ال سّماء ، لعيسى ، أنزلت ثمّ مدّت ومن أكمه أبرا ، ومن وضح عدا شفى ، وأعاد الطّين طيرا بنفخة وبذاك الجمع وسرايته في عيسى عليه السلام نزول المائدة من السماء ومدّها بين يدي إسرائيل بدعاء عيسى عليه السلام ، وكذا إبراء الأكمه الذي ولد أعمى وأعطى الشفاء لمن به وضح ، وكذا برص ، وإعادته الطين طيرا ذا حياة بنفخه فيها الحاصل جميع ذلك من عيسى عليه السلام بذاك الجمع وسرايته فيه المعبّر عن ذلك بالإذن في قوله تعالى :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي
[ المائدة : الآية 110 ] ، وإنما خصّ هؤلاء الستة بالذكر ، فإن عيسى عليه السلام مظهر القول ، كما قال تعالى :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ
[ مريم : الآية 34 ] ، وموسى عليه السلام مظهر السماع ، وإبراهيم عليه السلام مظهر البصر ، ويوسف وسليمان عليهما السلام كانا مظهري القدرة من حيث الظاهر بالملك ، ومن حيث الباطن بالحكم ، وكان الجمع بين كمال القدرة من حيث الظاهر والباطن معا مختصّا بهما ، وأما نوح عليه السلام إنما ذكر لأنه كان أول من تصرف بحكم الرسالة ؛ فلهذا المعنى خصّ هؤلاء الستّة بالذكر . وأما ذكر نبيّنا عليه أفضل الصلوات ، فلأصالته في الوجود وجميع ما يتضمنه صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه المرشد .
وسرّ انفعالات الظّواهر ، باطنا عن الإذن ، ما ألقت بأذنك صيغتي قوله : باطنا حال من فاعلية الإذن المفهومة من قوله : انفعالات الظواهر عن الإذن ، والباء في قوله : بإذنك متعلقة بألقت بتضمين معنى أوصلت ، وصيغتي : أي لفظتي وكلامي . يعني : كل أثر ظهر من الأنبياء الذين ذكرتهم وممن لم أذكرهم ، ومن صورهم قولا أو فعلا في ظاهر هذا العالم - كما قلنا - جميع تلك الآثار إنما كانت مضافة إلى إذن إلهي حال كون ذلك الإذن باطنا فيهم وفي قواهم وأعضائهم الباطنة والظاهرة ، كما أصل بعض الأكابر من محقّقي أهل اللّه وهو شيخنا صدر الحق والدين محمد بن إسحاق قدّس اللّه سره في كتاب مفتاح سرّ الغيب من مصنّفاته هذا الأصل ، وقال : لا أثر لشيء في شيء إلّا لأمر باطن فيه أو منه ، وذلك الأمر المؤثر الباطن في جميع الظواهر والبواطن هو إذن خاص إلهي بالنسبة إلى أصحاب
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 184 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني