روى ذلك الجمّ الغفير ، وبظهور هذا الجمع وسرايته في موسى وعصاه أيضا أنها فلقت البحر العظيم وشقّتها بضربة واحدة حتى ظهر قعر البحار يابسا ، فصار كل شقّ منها مثل الزقاق النافذ من أحد جانبي البحر إلى الجانب الآخر ، ودخلت بنو إسرائيل في تلك الأزقّة من البحر من هذا الجانب ، وخرجت منها إلى الجانب الآخر سالمين ، ودخل فرعون وقومه ، فغرقوا بأجمعهم وهلكوا .
ويوسف ، إذ ألقى البشير قميصه على وجه يعقوب ، عليه بأوبة رآه بعين ، قبل مقدمه بكى عليه بها ، شوقا إليه ، فكفّت
قوله : كفّت ، أي قبض بصرها بالكف ، أي بالرفع والمنع عن الإبصار ، وقوله : بأوبة متعلقة بفعل البشير ، والضمير في إليه يرجع إلى يعقوب ، وإلى حرف تعدية الأوبة ، والفاعل في رآه يعقوب ، والضمير في بها عائد إلى العين ، وحرف على متعلقة أيضا ببكى ، والضمير يعود إلى يوسف ، والضمير في مقدمه عائد إلى البشير ، وفاعل بكى يعقوب وحرف إلى في إليه الثانية لتعدية الشوق ، والضمير يعود إلى يوسف ، وشوقا مفعول له متعلق ببكى ، والضمير في كفت يرجع إلى العين ، ويوسف مبتدأ ، وإذ ألقى إلى آخر البيت شرط ، والبيت الثاني جزاؤه ، وهذه الجملة الشرطية مرفوعة المحل بالخبرية للمبتدأ المذكور .
يقول : وبذلك الجمع وسراية أثره في يوسف ، ومن يوسف في قميصه أنه حين أرسل مبشّرا بحياته وسلامته ومملكته وبرجوعه إلى يعقوب عليهما السلام ، وأرسل مع البشير قميصه الساري فيه من أثر جمعية يوسف عليه السلام ليلقيه على وجه يعقوب عليه الصلاة والتحية ليرتدّ إليه بصره من أثر هذا الجمع المذكور ، ولما التقى البشير برجوع يوسف بحكم الاجتماع إلى أبيه عليهما السلام قميصه على وجه أبيه يعقوب ، فارتدّ بصيرا رأى يعقوب يوسف عليهما السلام بعد الاجتماع بعين كان قبل مقدم البشير إليه بكى يعقوب بعين تلك العين على فقدان يوسف وفراقه لأجل غلبة الشوق ، فقبضت أنوار بصرها ، ثم ردّت أنوار بصرها بوساطة أثر ذلك الجمع في يوسف ، ومنه في قميصه ، فرآه بعد الاجتماع .
ضمن في البيت قوله تعالى :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
[ يوسف : الآية 84 ] ، وقوله تعالى :
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
[ يوسف : الآية 96 ] ، وقوله :
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً
[ يوسف : الآية 93 ] .