المعنى : ضمن في البيتين معنى آيات من الكتاب العزيز ، الأولى : قوله تعالى :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
إلى قوله :
تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
[ طه : الآيات 66 - 69 ] . والثانية : قوله عزّ من قائل :
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 60 ) [ البقرة : الآية 60 ] . والثالثة : قوله تعالى :
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
[ الشّعراء : الآية 63 ] .
يعني : لما أظهرت السحرة سحرهم ، وانقلب نظر كل ناظر عن إدراك صور الحبال والعصيّ الذي هو الحقيقة إلى إدراك صور الحيّات والأفاعي المهولة ساعية متحرّكة مع أن الصور ما انقلبت ، لكن النظر والإدراك انقلب كما أن في حال النوم ينقلب النظر عن إدراك الصورة الحسية التي هي الحقيقة إلى إدراك خيالية غير حقيقيّة ؛ كإدراك السلطان أو العالم في النوم بصورة البحر ، وإدراك ما تحصل منهما فيه بصورة السمك مع بقاء الصور الحقيقية على حالها ؛ لهذا كان السحر كيدا حيث أظهر صورة غير مرادة وأضمر الصورة المرادة ، فشقّت على نفس موسى عليه السلام تلك الأهوال خوفا من فساد اعتقاد قومه الموحدين ، واشتباه السحر بالمعجزة لا من غلبتهم لكونه كان على بينة من ربّه ، وظهر أثر هذا الجمع وسرى في باطن موسى عليه الصلاة والسلام بصورة قول :
لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
[ طه : الآية 68 ] بسراية أثري فيك ،
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
[ طه : الآية 69 ] الساري فيها أثر هذا الجمع تبتلع ذلك الكيد ، وترد إدراك الناظرين عن خيال صور الأفاعي والحيّات إلى صور الجبال والعصيّ التي هي الحقيقة ، ثم مع نظر الناظرين جميعهم الأعلى صورة الحبال والعصي الحقيقية ، وغلب حكم الحقيقة على آثار المجاز والكيد جميعها ، ولم يبد في نظر الجميع إلا صور الحبال والعصي الحقيقية ، فكان بطلان كيد السحرة في ضمن إلقاء العصا ومقابلتها وخوف موسى في الابتداء من ظهور كيدهم سبب إيمان السحرة ، وكمال تيقّنهم بحقية نبوّة موسى عليه السلام وصحة معجزته .
وأيضا كان بظهور حكم هذا الجمع وسراية أثره في موسى عليه السلام ، ومنه في عصاه أنه أجرى بضربة بها على حجر صخر عيونا ، وهي اثنتا عشرة عينا سقت تلك العيون تلك الخلائق الكثيرة بواسطة تلك الضربة على الحجر ماء كثيرا ، بحيث