قال مبنيّا على هذين الأصلين : لما رجعت في سيري نازلا ثم عارجا عن جميع مراتب التفرقة ورؤيتها إلى عين حضرة أحدية الجمع وجمعت صدع التفرقة الحاصلة من تميّز وصفي الوحدة والكثرة والفاعلية والقائلية والتأمت ، أي اتّصلت شقوق ما تفرّق بسبب تفرّق الوصف ، يعني هذين الوصفين وصف الوحدة ووصف الكثرة ، أو قل تفرّق نفس الوصف وتسمية الشأن والنسبة الذاتية باسم الوصف بحكم المرتبة الثانية ، على أن هذا الموصف من حيث باطنه الذي هو شأن ذاتي غير مفرّق ولا محكوم عليه بالمغايرة والغيرية بينه وبين الموصوف ، فإنه لم يكن ثمة وصف ، بل هو عين الذات ، وإنما صار وصفا عليه بالتفرقة بينه وبين الموصوف في هذه المرتبة الثانية ، وأيضا لما لم يبق اعتمادي على إيناس الحبّ الذاتي إياي شيئا يفضي إلى وحشة تفرقة بيني من حيث تعيّني ، وبيني من حيث إطلاقي ، أو قل بيني من حيث حقيقة الحقائق ، وبيني من حيث التجلّي الأول تحقّقت حينئذ أني وحضرة محبوبي عين ذات واحدة ، وأثبت صحو مقام أحدية الجمع عن سكر رؤية الغير والغيرية محو تشتّت غيرية بين كل قوّة وقوة من قواي ، وبين كل عضو وعضو من أعضائي ، وبين كل ذرّة وذرّة من ذرّات صورتي ، وبين كل معنى ومعنى من جميع معنائي ، فكما أن ذاتي في المرتبة الأولى منفيّة عنها التفرقة والغيرية بين جميع نسبها وشؤونها ، فكذلك حكم صورتي ومعناي ، فكان ذوقي كل شيء فيه كل شيء على التحقيق .
وكلّي لسان ، ناظر ، مسمع ، يد ، لنطق ، وإدراك ، وسمع ، وبطشة
يعني : كما أن في الرتبة الأولى كان لفظا واحدا ، وكل لسان محدث بمقتضيات ذاتي ، وكان ثمّة لحظ واحد وكلّي عين ناظرة فيّ لعبرة من الإجمال إلى التفصيل ، وكان ثمة سمع واحد وكلّي مسمع أسمع به ندائي وحديثي الوحداني ، وثمة يد واحدة ، وكل في ردّ الردى الذي هو كناية عن اللّاظهور إلى الظهور يد قوّة لما انصبغ ظاهري بصبغة حكم باطني وصورتي بباطن معناي ، وانتفى حكم الغيريّة عن ظاهري وباطني وكلّي وجزئي صار حينئذ كلّي لسانا وكلّي ناظر ، أو كلّي أذنا ، وكلّي يدا لنطق أنطق به جميع المنطوقات بكل واحد من قواي وأعضائي وذرّاتي ، ولإدراك أدرك وأشاهد جميع المبصرات بكل ما فيّ من القوى والأعضاء والذرات ، ولسماع أسمع جميع المسموعات بكل قوّة لي وذرّة ، ولبطشة أبطش بها ، وأفعل جميع المفعولات بكل قوّة ومعنى وذرّة فيّ .