فكان بهذا الاعتبار من الأضداد . والصدع : الشقّ ، واستعير في الفصل والقطع ، والشمل : ما تشتّت من الأمر ، فالباء في قوله : بفرق للسببية متعلقة بيشمل ، وغير مشتّت صفة لفرق الوصف ، فالبيت الأول شرط ، والثاني أيضا عطف عليه ، والثالث جزاء الشرط .
يقول : كان الأمر في الأصل بموجب « كان اللّه ولم يكن معه شيء » وحدانيّا ، ولم يكن في أوّل مرتبة الظهور إلّا ذات واحدة مندرجة فيها نسب واحديتها التي هي غير هذه الذات الواحدة ، فعلمت هذه الذات الواحدة نفسها في نفسها ، وما تشتمل عليه ذاتها من النسب التي منها كمالها الذاتي وكمالها الأسمائي ، وما يقتضي هذا الكمال الأسمائي من المراتب التي هي من جملة هذه النسب وإضافة شيء من هذه النسب إلى هذه المراتب وإظهارها فيها بصور الأوصاف التي يجمعها وصفان : وصف الوحدة ، ووصف الكثرة ، يتبع الأول وصف الفاعلية ، ويتبع الثاني وصف القابلية ، وتسمية بعضها فيها باسم الغير وبعضها باسم العين ، فكان جمع وحدانية الذات قد انصدع بهذين الوصفين وبتفرقة مضافة إليهما على أن التفرقة المضافة إلى هذين الوصفين غير مشتّتة في نفس الأمر ؛ لكون هذين الوصفين صورتي نسبتين من نسب الذات الجامعة المجتمعة الغير المفرّقة والمتفرّقة ، وهذه التفرقة الحاصلة بهذين الوصفين المذكورين إنما ظهرت في المرتبة الثانية الألوهية ومقام جمع الجمع وحضرة قاب قوسين التي دون مقام أحدية الجمع .
ثم إن الحب هو الذي يجمع التفرقة والعينيّة ويزيل ما يقتضيها من غلبة حكم الامتياز والغيرية ، ويثبت حكم الاتحاد والغيبيّة ، فإن كان هذا الحب من مقتضيات الذات يؤنس المحب بأنه إذا وحده بمحبوبه لا وحشة من خشية الفرق يتطرّق إليه ، فإن الذاتيات لا يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل .
وأمّا إذا كان الحب من مقتضى وصف من الأوصاف ، فيحتمل أن يعتري الوصل الحاصل منه وحشة خوف الهجر والتفرقة لإمكان طريان وصف آخر يخالف حكمه حكم هذا الوصف ويغلبه فيتطرق الهجر والبعد ؛ ولهذا لمّا سئل مجنون بني عامر : أوصل ليلى أحبّ إليك أم هجرها ؟ فقال : فإن في هجرها رجاء وصلها ، وفي وصلها خوف هجرها ، والرجاء أولى عندي من الخوف .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 168
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٦٨