الجمعي من مقام غناه الذاتي عن العالمين ، وظهر في هذا القلب على ما أخبر بقوله : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » التقي النقي ، فغنيت نفسي من جهة ظهور هذا الفيض الذاتي الذي من أخصّ أوصافه الغنى عن العالمين بهذا الفيض ، وكملت - أعني نفسي - في هذا الغنى بالإفاقة عن سكر رؤية الغيريّة والضدّية التي كان يقتضيها مقام جمع الجمع قبل هذا ، فصار وسط كل عالم من الغيب والجبروت والملكوت والملك الآن منبعا لهذه المفاتيح بسبب تعيّن قلبي الذي هو مظهر البرزخية الكبرى الشامل أثرها جميع العوالم ، وكون وسط كل عالم أثرا من آثار قلبي ، وبسبب احتياج نفسي بتعيّن هذا القلب إلى ظهور هذا الفيض الأحدي الجمعي في هذا المحل الخالي ، وظهور هذا الفيض الذاتي الذي هو أصل هذه المفاتيح ومنبعها في هذا القلب بحكم ذلك الاحتياج والاستعداد ، وهذا تحقيق قوله : ومنبعها كائن في كل عالم بسبب فاقة نفس غنيت بحصول الفيض الذاتي في قلبها ، وكملت بالإفاقة عن سكر رؤية الغيرية الذي كان طارئا عليها قبل تحقّقها بهذا الفيض الذاتي الأحدي الجمعي ، ولمّا كان منبع ظهور هذه الأسماء الذاتية وسط كل عالم من الغيب والجبروت والملكوت والملك ، كانت هذه المفاتيح من حيث عالم الغيب فوائد إلهام ، يعني علوما ذاتية حاصلة عن إخبار بلا واسطة عن أخبار الغيب المكنون ، وبلا حجاب رؤية غيريّة بين الإخبار والمخبر والمخبر عنه والمخبر له والمخبر به ؛ كما عبّر عنه بقوله صلى اللّه عليه وسلم في جملة حديث الشفاعة يوم القيامة منها قوله : « يلهمني محامدا أحمده بها لا تحضرني الآن » « 2 » ، وهي كالعلم بالأسماء المستأثرة وما يتضمّن من العلوم الذاتية والأسرار العليّة المشار إليها في قوله : « اللّهمّ إني أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علّمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك » « 1 » ، ولا شكّ أن المستأثر أكثر وأكبر من المظهر جميعا ، بل نسبة تيك إلى هذه نسبة غير المتناهي إلى المتناهي ، وأيضا كانت هذه الأسماء الذاتية من حيث عالم الجبروت روائد نعمة ، يعني تجلّيات متردّدة بين الغيب والشهادة طالبة طيبة قلب وهناء عيش ولذّة وقت ونعومة معيشة روح وسرّ لصاحب هذا المقام ليتنعّم
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) جزء من حديث طويل رواه البخاري في صحيحه ، باب كلام الرب عزّ وجلّ يوم القيامة . . . ، حديث رقم ( 7072 ) [ 6 / 2727 ] .