تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
خالق تلك الكلمة فيه ليس إلّا العالم الحكيم الحقّ المتعالي عن أن يخلق شيئا خاليا عن حكمة بالغة وحقية فيه من حيث تعلّقه بالحقّ كامنة ، فلا بدّ وأن تكون كل كلمة كانت ما كانت جدّا أو هزلا متضمّنة معنى خفيّا لا يفهمه إلّا أولو الألباب المهديّون ، فهذه الأسماء الذاتية هي الجامعة لتلك الآثار الخفيّة الحقية وتعرضها على أذن الإنسان فيدركها سمعه ، فلا يسمع قطّ إلّا حقّا ، وأراد بقوامع العزة ما يكفّ الإنسان عن الغفلة في كل فعل يفعله بحيث لا يفعل شيئا غافلا عن حقيقة ما ينبغي أن يظهر ذلك الفعل لأجله ، بل يفعل ما يفعل عن حضور كامل وقصد صحيح ، ونيّة صادقة ، ورؤية صائبة ، وشهود حقّ في ذلك ؛ فلا جرم كان محفوظا عن الخطأ والذّلل والخلل في كل ما يصدر منه من الأفعال ، فإن القوامع جمع قامع ، وهو الكاف المانع والغرّة غفلة في يقظة ، والغرار غفلة في غفوة ، واللّام في قوله للحس متعلقة بمحذوف ، وهو الحاصل ، وكذا حرف من ، والباء وكذا عن . وتقديره : الحاصل من أعيان هذه الأسماء الذاتية لأجل تكميل القوى الحسّية الظاهرة والباطنة بوساطة تخلّق الإنسان بهذه الأسماء في مقام الإيمان متجاوز عن أعلام التخلق العملية التي هي اللّسان والعين والأذن واليد أربعة أنواع من الكمال وموجباته كل واحد مختصّ بواحد ، فللنطق ما يتفرّغ به لدوام الذكر وجمع الهمّ بالمذكور ، وتحقيق الحضور معه ، وللبصر ما يلتمع له من الأنوار بسبب صرف الفكر بالكلّية في عظمة المذكور وكبرياء أسمائه الذاتية ، والتحقّق من حيث ما يلتمع من أشعة عين النور بعين النور ، وللسمع ما تجمع آثار الحقّ والحقيقة الثابتة في كل كلام صادر عن كل متكلّم وفهم تلك الآثار عن كل كلام هزل أو جد أو مهمل ، لا يفهم أحد معناه أو غير مهمل ، بل عن كل كلمة فعلية أيضا ناطقة بموجب النطق الفطري المعنيّ بقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : الآية 44 ] تجمع هذه الأسماء الذاتية معانيها ونطقها وتعرّضها لسمعه ، فيفهم منه الحقّ والحقيقة ، ولليد ما يكفّ وتمنع الغفلة الطارئة بحكم النشأة على الإنسان في كل ما يفعله حتى لا يصدر منه فعل أصلا إلّا عن حضور تامّ ومقصد صحيح ، وإضافة ذلك بالأصالة إلى أعيان هذه الأسماء الذاتية بحيث يكون محفوظا عن الخطأ والزلل بالكلية ، فإن فعله حالتئذ لم يكن إلّا فعل الحقّ تعالى وتقدّس ، وإنما كنى عن هذه المدارك الحسّية بأعلام التخلّق العملية لأن علامة عمل التخلّق باسم السميع والبصير والقائل
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 147 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني