ذلك من الحكم والأسرار المدركة بباطن البصر ، ومبنى جميع هذه الحكم على النظر في المزاج وهيئته وأحواله ، فكانت جميع هذه الحكم القهقهية مادته متعلقة بتعلق الإنسان بجميع الأسماء الإلهيّة ، وهذه الأحكام الإسلامية إذا ظهرت فيه ومنه عن معرفة وخبرة لحقيقتها وكيفيّة حقيّتها كانت صورها في النشآت أتمّ وأكمل ، وتفصيلها أعمّ وأشمل .
والنوع الثالث من ذلك الحاصل المذكور : إنما هو حقائق إحكام بنيان كماله ، يعني لما كان للمزاج بحسب كل عضو وقوة كمال مختصّ بذلك العضو والقوة ، ولم يخلق ذلك العضو والقوة بالقصد الأول إلّا لإظهار ذلك الكمال بعينه ، بحيث لو صرف ذلك العضو والقوّة في غير ما خلق له لم يحصل ذلك الكمال كان إحكام بنيان كمال مزاج الإنسان منوطا بصرفه كل قوّة وعضو منه فيما خلق له ، فآثار هذه الأسماء من حيث لسانه يظهر بالقول الصدق والحق والذكر الدائم ، والشكر اللازم ، والتلاوة ليلا ونهارا ، وبيان أسرار الكتاب والسنّة سرّا وجهرا ، ومن حيث عينه يبدو بوصف نظر العبرة من الظاهر إلى الباطن ، ومن الخلق إلى الحق ، وبنظره في المصحف ، وفي وجه الوالدين ، وفي الكعبة ، وفي كل ما فيه كمال العين . ومن حيث أذنه يظهر بسماع قول الصدق والمتابعة فيه للأحسن والأحق ، وسماع الذكر والقرآن والعلوم النافعة ، وبالإصغاء إلى من يخاطبه بكليّته ونحو ذلك مما فيه كمال الأذن ، ومن حيث يده يظهر بصور جميع أفعال الخير وأعمال البرّ والجهاد وإغاثة الملهوف ، وكل ما يتعلق بكمال اليد ، ومن حيث رجله يظهر بصورة السعي إلى الحجّ والغزو ، وإلى العبادة وكل ما يتقرّب به إلى ربّه تعالى ؛ فبهذا الصرف يحكم بنيان كماله المتعلق بمقام التعلق والإسلام .
والنوع الرابع من ذلك الحاصل المذكور : هو أن آثار هذه الأسماء الذاتية لأجل إظهار كمال مزاج الإنسان المتعلق بمقام الإسلام الذي هو مقام التعلق بجميع الأسماء الإلهيّة إنما يظهر بصور رقائق بسطة ، يعني روابط ووسائط بين هذا المزاج وبين حقائق تلك الأسماء الذاتية الأولية ينبسط بها كماله في جميع المواطن والنشآت بكمال تفصيل صورته ومزاجه في الدنيا والآخرة والجنة والكثيب وفي سوق الجنّة أيضا ونحو ذلك ، واللّه المؤيّد .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 145
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٤٥