قلت : ولما فرغ الكلام على الأسلوب الثاني شرع في الأسلوب الثالث :
فللّبس منها بالتّعلّق في مقا م الإسلام ، عن أحكامه الحكميّة عقائق إحكام ، دقائق حكمة حقائق إحكام ، رقائق بسطة
كنّى باللبس عن الصورة المزاجيّة العنصرية التي للإنسان بملابسة تلبس نفسه النفيسة بها ، وكنى بأحكام التعلق الحكمية عن آثار تعلّقات هذه الأسماء الذاتية بالأشياء من حيث صورها ومظاهرها الظاهر بعضها بصور الأسباب الفاعلية ، وبعضها بصور المسبّبات القابلة ، وارتباط بعضها ببعض في نشأتي الدنيا والآخرة ، وإضافة كل شيء من الصور الظاهرة فيهما إلى سبب أو أسباب على التعيين ، كارتباط تعيّن هذا المزاج الإنساني وبقائه وصحته ومرضه بأسباب معينة ، نحو المنكح والملبس والمأكل والمشرب ونحوها في هذه النشأة الدنيوية ، وكارتباط الصور البرزخية والحشرية والجنانية في النشأة الأخرويّة بحركات الإنسان وسكناته وأقواله وأعماله على ما يقتضيه عالم الحكمة كما ذكرنا في القاعدة الثالثة آنفا ، فإن هذه التعلّقات الباطنية والظاهرية كلّها إنما هي على مقتضى عالم الحكمة آثار التعلق بالأسماء وصوره المرتبطة بعضها ببعض ، كتعلق الخالق بالمخلوقين ، والربّ بالمربوبين ، والهادي بالمهتدين ، والرحيم بالمؤمنين المرحومين ، والرحمن بكافة الموجودات أجمعين ونحو ذلك ، فإن أثر الخالق لا يظهر غالبا تعلّقه إلّا بمجرد الاجتماع المعنوي ، الذي هو النكاح المعنوي أو بالاجتماع الصوري الذي هو النكاح الصوري ، وكذا أثر الرب لا يظهر تعلّقه بالمربوب في عالم الحكمة إلّا بوساطة الغذاء الصوري أو المعنوي وهلمّ جرّا ، غير أن غاية هذه التعلّقات والآثار ما يتعلق بالمعاد والنشأة الأخرويّة ، وهي الأحكام الشرعيّة والعلوم الخبريّة الموصلة للمزاج والصورة إلى كمالاته الأخروية وغاياتها الأبدية .
فأراد بالعقائق صور سهام الابتلاءات بالأحكام الشرعية التكليفية التي مبناها على الأمر والنهي ، فإن العقائق جمع عقيقة وهي اسم سهم في الجاهلية كانوا يرمونه إلى السماء إذا قتل من قبيلة قتيل ووجد في قبيلة أخرى ، وجرت حروب بينهم على ذلك ، فإذا رجع ذلك السهم ملطّخا بدم لم يرضوا إلّا بالقود ، وإذا رجع نقيّا مسحوا لحاهم وصالحوا على الديّة ، وكان مسح اللّحية علامة الصلح ، وقيل :
لم يرجع إلّا نقيّا ويسمى ذلك السهم أيضا سهم الاعتذار لما قام عذرهم في الصلح