والحضرة الأحدية الجمعية التي هي منتهى الرغبات جميعها مختصّة بالكامل الأكمل ، فغاية الكلام أن يكون صادقا نافعا مشتملا على حكم مواعظ مذكرا ومقرّبا إلى الحق ، ورغيبة هذه الغاية أن يكون كل لفظ منه مشتملا على جميع الحكم والمواعظ والمقربات ، وغاية البصر أن تعتبر من الظاهر إلى الباطن ، ومن الخلق إلى الحق ، ورغيبة هذه الغاية المختصّة بمقام الأكملية أن تشتمل كل نظرة منه على جميع النظرات ظاهرا وباطنا ، وتجمع في تلك النظرة إدراك جميع المدركات خلقا وحقّا ، وغاية السمع أن يتبع أحسن ما يشتمله المسموع من المعاني ؛ كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 18 ) [ الزّمر : الآيتان 17 ، 18 ] ، يعني هداهم اللّه إلى هذه الغاية وفهم لبّ المعنى ، فكانوا أصحاب لبّ كل معنى ، أي باطنه .
وأما رغيبة هذه الغاية المختصّة بمقام الأكملية أن لا يكون مسموعه من كل شيء ومفهومه غير معاني هذه الأسماء الذاتية من حيث جمعيّتها واشتمال كل واحد منها ومن نسبها على الجميع ؛ فلهذا يظهر هذه الأسماء الذاتية لسمع هذا المظهر الكامل بصور رغائب الغايات المذكورة ، يعني جامع سمعه في سماع كل لفظة بين جميع هذه الرغائب التي ذكرناها من رغيبة الكلام والبصر ونحو ذلك ، وهذه الأسماء الذاتية أيضا من حيث ظهور شرفها المذكور يظهر لقوّة هذا المظهر الكامل بصور الجيوش الممدّة لها للغلبة على المخالفين باطنا ، مثل الشيطان الذي تعرض له في حالة حجابيّته الضروري طريانها بحكم النشأة واقتضاء أحكام النبوّة والدعوة ، حيث قال : « إن عفريتا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليّ صلاتي ، فأمكنني اللّه منه » « 1 » ، فذلك الإمكان إنما كان بحكم هذا الإمداد بهذه الجيوش الأسمائية لغلبة العدوّ الباطني .
وأما لأجل الغلبة على المخالفين في الظاهر ، فهذه الأسماء الذاتية ظاهرة في مظاهر من صور الملائكة المسوّمين المرسلين والمنزّلين والمردفين الممدّين على أثر من قبلهم بمدّ هذا المظهر الكامل بهذه الجيوش ليغلب على من نازعه في إظهار دعوته .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .