تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ
[ الرّعد : الآية 10 ] ، ويستعمل الجوهر في شيئين في حامل العرض لظهوره للحاسة بواسطة محموله ، وفي شيء من المعدنيات باعتبار ظهوره للنفس بلطفه أو بقيمته أو بقائه أو منفعته وعلوّ رتبته على سائر الجمادات ، ولكثرة جدواه حسّا ووهما أو عقلا ، فاستعار بها ههنا عن علوم الحقيقة الظاهر نفعها وقيمتها وبقاؤها وعلوّ رتبتها على جميع رتب العلوم التي سواها ، والزواهر جمع زاهر من زهرت النار زهورا : أضاءت ، فاستعار بها عن علوم الطريقة المضيئة في نفس السيار الموجبة لإضاءة بصره لنظر الاعتبار ، والصولة : مصدر صال فلان على فلان إذا وثب عليه ليقهره ، وهذا البيت مجموعة خبر مبتدأ محذوف . المعنى : اعلم أن مقام التوقيف المذكور هو مقام دعوة وتمكين باعتبار أن الرجوع إلى المبدأ بموجب :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : الآية 123 ] ، و
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ الأعراف : الآية 29 ] لازم ضروري لكل موجود ، وبحكم أن عالم الطبيعة عالم بعده حجابية والتباس حق بخلق كان هذا العالم الغالب عليهم حكمه محتاجين إلى إنباء وإخبار وتنبيه عن المبدأ والمعاد ، وما تضمّنا من الأسماء والصفات وما يتعلق بها من الكمالات واللذّات المعنوية المتعلقة بها وبشهودها في عالم الجبروت وعما تضمنا أيضا من الكمالات واللذّات المعنوية والروحانية المتعلقة بشهود الأرواح والملائكة في عالم الملكوت الأعلى ، وعما تضمّنا أيضا من الصور الجنانية والجهنمية في عالم الملكوت الأدنى والملك وبشهود مقيّد فيه ، لهذا تعيّن مقام النبوّة والدعوة الذي من حقّه وشرطه الصبر على إيذاء المدعوّين المنكرين وجهلهم وعنادهم واستهزائهم وتكذيبهم وطعنهم والثبات والتمكين وعدم الاستعجال في قمعهم وقهرهم ، وبالدعاء عليهم والإعراض عنهم ، وتصريف هذه الأسماء في إهلاكهم مع شدّة اقتضاء الطبيعة وقوّة لمستدعاها ذلك ؛ لئلا يهمل حكم مقامه كما ظهر من يونس عليه السلام حتى احتاج إلى الاعتذار والاستغفار من ظهور أثر حكم الطبيعة فيه بالاستعجال على الإعراض عن قومه قبل نزول وحي مخصوص في ذلك ، لهذا كان مقام النبوّة والدعوة مقام توقيف ، واحتيج في حفظ حقوق هذا المقام والقيام بشرائطه إلى عهد وثيق وميثاق غليظ في هذا المقام لدقّة مداخلة حكم الطبيعة عند مقاساة شدّة الأذيّة من القوم ، ثم إن مقام النبوّة والدعوة له أركان أربعة :
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 135 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني