تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
شوادي مباهاة ، هوادي تنبّه ، بوادي فكاهات ، غوادي رجيّة الشوادي : جمع شادية ، وهي المغنية والمنشدة شعرا ، والمباهاة : المفاخرة ، والهوادي في الأصل : هوادي الخيل ، وهي أعناقها وما يبدو منها ، فاستعير بها ههنا عن مبادي ظهور التجلّيات ، والبوادي جمع باد من بدا يبدو بدوّا فهو باد ، والفكاهة حديث ذوي الأنس من طيبة ومزاج ونحو ذلك ، والغوادي جمع غادية وهي السحابة التي تنشأ صباحا ، والرجية بمعنى المرجوّة ، ومجموع البيت خبر مبتدأ محذوف . تقديره : هذه الأسماء الذاتية المذكورة من حيث هذا التصريف الواقع من جهة مشاعر هذا الوليّ من حيث اللفظ هي منشدات نظما ونثرا في معنى الافتخار ، فكل ما جرى على ألسنة الأكابر من الأنبياء عليهم السلام مما يتضمّن المباهاة ، نحو قوله عليه السلام : « آدم ومن دونه تحت لوائي » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي » « 1 » ، وقول عيسى عليه السلام : « إني أخلق وأحيي الموتى » « 2 » ، أو على ألسنة الأولياء من الأشعار التي تنبىء عن الافتخار والدعوى مثل قول بعضهم : أنا للكل في الحقيقة كل ، وقول الآخر : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا ، وقول الآخر : رفعت رايتي على العشّاق ، ونحو ذلك ، جميعها أثر باطن الاسم المتكلّم ظهر وجرى على ألسنتهم بلا هم افتخارا بمصرفه ، فإن عين ذلك الاسم حالتئذ عين لسانهم من مقام « كنت سمعه وبصره ولسانه » « 1 » ، وأصل إضافة هذا الافتخار إلى تلك الحضرة ما ورد عن عائشة رضي اللّه عنها ، أنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة ، فيقول : ما أراد هؤلاء » « 3 » ؟ فلهذا كانت هذه الأسماء الذاتية من حيث هذا التصريف ، ومن جهة باطن القول شوادي مباهاة ، وهي أيضا من جهة اللحظ المذكور هوادي تنبه ، يعني مبادئ ظهور تجلّيات ظاهرة منبّهة لهم عمّا وراء ما حصل لهم من الكمالات والعلوم الذاتية والمعارف العليّة وعما يعقبها من كرامات التجلّيات
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الأثر لم أجده بلفظه فيما لديّ من مصادر ومراجع . ( 3 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث رقم ( 1348 ) [ 2 / 982 ] ؛ والنسائي في السنن الكبرى ، حديث رقم ( 3996 ) [ 2 / 420 ] ؛ ورواه غيرهما .