تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الباطنة وتنبّههم أيضا عمّا وراء المقام الذي هم فيه من مقامات الدعوة والتمكين ، فينبعثون للسير إليه والتحقّق به . وهذه الأسماء الذاتية أيضا من حيث هذا التصريف من جهة السمع المذكور في قوله : وسمع وكلي بالندا أسمع الندا ظاهره بوصف فكاهه ، يعني سماع أحاديث أهل الأنس من طيبة ومزاج من هؤلاء الأكابر ، فإنهم في مقام التمكين الأول ومقام العرفان الأول يكونون شاهدين للحق تعالى ، وشاهدين منشأ جميع الأمور في حضرته وشاهدين انتشاءها منها على وفق الحكمة البالغة التي لا بدّ من وقوعها رعاية لتلك الحكمة والمصلحة ، فلا يهتمّون لنازلة ولا يغتمّون لحادثة ، ولا يؤثّر فيهم سماع ما يكرهون ، ولا رؤية ما لا يلائمهم ، بل يكونون دائمي الأنس بربّهم ، وبكلّ ما يبدو ، بل كل ما يسمعون مما لا يلائم طباعهم يفهمون منه حكمة بالغة يوجب فرحهم وبشاشتهم ، فلا يزال كل واحد هشّا بشّا بساما مزّاحا كما حكي عن أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه ، فإنه لم يلقه أحد في تلك الوقائع العظيمة النازلة به من اختلاف الصحابة عليه ومحاربتهم إيّاه إلا بشاشا مزّاحا ، حتى إنه كان يعيب عليه من كان يغيب عنه حاله ويقول : لولا دعابة فيه ، فإنه عليه السلام كان على بصيرة ومعرفة بكل ما ينزل به ، وأنه لا مندوحة عنه ، فلا يؤثر فيه شيء من ذلك أصلا ؛ فلهذا كانت تلك الأسماء الذاتية أولا من حيث سمع هذا الولي ظاهرة بوصف الفكاهة وسماع المزاح والطيبة ، وأيضا هذه الأسماء الذاتية الأوّلية من حيث هذا التصريف من جهة هذا الولي وقوّة نفسه عوادي رجية ، يعني سحائب مرجوّة كثيرة الندى عزيزة الفضل والندى المنتشئة في أول صباح الفتح والنجاح مرجوّة الإحسان والإنعام بالنسبة إلى الخاصّ والعام من جهة بسطها وإفاضتها الوجود من عين المنّة والجود .
وتوقيفها من موثق العهد آخرا ، بنفس ، على عزّ الإباء ، أبيّة قوله : وتوقيفها ، يعني : جعل تصريف هذه الأسماء الذاتية الأوّلية المسمّاة كل واحد منها بالاسم الأعظم والمجموع بمفاتيح الغيب والتصريف بها بعد التمكّن من ذلك موقوفا على إذن خاص ، ووحي على التعيين في كل أمر كلّي أو جزئي في آخر الأمر ، أعني بانتهاء مقام الجمع الباطني بعد انتهاء الجمع الظاهري ، أو انتهاء التحقّق بمقام جمع الجمع بعدهما أو انتهاء مقام أحدية الجمع بعد الجميع