عند التحقّق بمقام الدعوة والتمكين إذا كان وليّا ، وبمقام النبوّة إن بلغ رتبتها قبل الدولة الخاصة المحمديّة صادر وواقع هذا التوفيق من نبيّ أو متمكّن صاحب إرشاد ودعوة معط من نفسه عهدا محكما غليظا غير قابل للتغيّر والانحلال والنقض على نحو ما أخبر قوله عزّ من قائل :
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ النّساء : الآية 154 ] لإعطاء مقام الدعوة والنبوّة حقوقهما تماما ، وهذا التوقيف الصادر من مقرّب متمكّن بحكم العهد إنما يحصل بواسطة نفس متمكّنة مطمئنة عالمة أبيّة عن التصرّف بهذه الأسماء الذاتية تصرّفا عامّا بلا توقف ولا توقيف على إذن ووحي خاص في كل حادثة جزئية أو كلية ، على أن هذا الإباء عن التصرّف بالأسماء العظمى مع التمكّن من ذلك والعلم بها عزيز جدّا ، ولا يوجد إلّا من نبيّ أو وليّ منته إلى آخر مقام الولاية أو كامل أو فرد ؛ كأبي السعود بن الشبل البغدادي قدّس اللّه سرّه العزيز على ما ورد عنه أنه قال : أعطيت التصرف منه كذا وكذا سنة ، فتركته تظرّفا ، قيل له :
لم تركته ؟ قال : ليتصرف هو لنا ، يعني لأن تصرّفه أشمل فائدة وأكمل حكمة وكمالا ومصلحة من تصرّفنا ، فرددنا التصرف إليه ليصل إلينا حكم تلك الأكملية والأشملية ، وفي ذلك الرد طرافة وحسن احتيال ولطافة .
قلت : وفي هذا شمّة من مهب الاستخلاف الحاصل للأصل حيث كان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللّهمّ أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل » « 1 » على أن أبا السعود كان من الأفراد الخارجين من دائرة قطب زمانه ، لكنه داخل في فرعية الأصل المذكور صلى اللّه عليه وسلم لهذا قبل أثرا خفيّا من حكم الاستخلاف المذكور ، ومن هذا المقام قال بعض الأكابر : « إن من عباد اللّه من أعطى كن فرده » ، فقوله : وتوقيفها ، أي :
توقيف تصريفها على حذف المضاف ، وتوقيفها آخرا مبتدأ ، ومن موثق العهد خبره ، وبنفس خبر بعد الخبر ، والباء فيه للوساطة .
جواهر أنباء ، زواهر وصلة ، طواهر أبناء ، قواهر صولة
الجواهر : جمع جوهر فوعل من جهر الشيء إذا ظهر بإفراط لحاسة البصر أو السمع ؛ كقوله تعالى :
دَعَوْتُهُمْ جِهاراً
[ نوح : الآية 8 ] ، وكقوله :
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره ، حديث رقم ( 1342 ) [ 2 / 978 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر ما يقول المرء عند دخوله بيته . . . ، حديث رقم ( 2716 ) [ 6 / 431 ] ؛ ورواه غير هما .