تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
أعيان هذه الأكوان وإضافته إليهم عن هذه الأسماء المضافة إلى الإنسان في وصول المدد إليهم لترجيح البقاء على فنائهم ولتحقّق بقائهم وثباتهم على الموجودية وحياتهم في نشآتهم ، فإنه إذا لم يصل ذلك المدد بواسطة الإنسان الكامل إلى الأكوان على التواتر مع الآنات يغلب طرف عدمية إمكانهم على طرف موجوديّتهم لعدم المرجح ، وكون العدمية أصلية لذواتهم ، فيلتحقون بالعدم ، فهم محتاجون في كل آن إلى ما يرجح جانب وجودهم العارضي لهم على طرف عدميّتهم الأصلية ، فإن اقتضاء حكم إمكانهم كلا الطرفين على السويّة وأصلهم العدمية ؛ فلا جرم كانوا محتاجين كل آن إلى مدد يرجح طرف وجودهم على جانب عدمهم ، وهذا المدد لم يتعيّن بحكم هذه الأسماء الأول الذاتية إلّا وحدانيّا بحسب وصف المعيّن والمتعيّن منه ، وهو عين الوجود الواحد ، فيحتاج إلى من يقبل ذلك الفيض الوحداني بوحدته ويفصله ويقسمه على الأكوان كلّها بكثرته ، وهذا القائل لا يكون إلّا هذا الإنسان المتحقّق بهذه الأسماء من حيث جميع مراتبه الظاهرية والباطنية والجمعية ؛ فلا جرم كان حال هذه الأكوان يقتضي أن لا يكونوا مستغنين بالحكم الإيجادي الظاهر والواصل إليهم من حضرة هذه الأسماء الذاتية من حيث مظاهرها الأسمائية وغيرها عن هذه الأسماء المضافة إلى هذا الإنسان عند ظهورها به من حيث حسّه ونفسه وروحه وقلبه ، ووجوده الظاهري والباطني والجمعي في إيصال المدد المبقي إياهم إليهم ، وفي هذا الحال يكون تصرّفهم بهذه الأسماء الظاهرة في العالمين بالإفناء والإبقاء والإعدام والإنشاء متعلّقا ومشروطا بعلم الأسماء الذاتية ، وسرايتها في هذه الأسماء . ألا يرى إلى قول عيسى عليه السلام :
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
( 49 ) [ آل عمران : الآية 49 ] ، أنه لم يتعرض لشيء من التصرّفات المذكورة إلّا بالحضور مع تلك الحضرة ، وبالحضور مع سراية أثر تلك الأسماء الذاتية الأوّلية المشار إليه بالإذن فيه .
وجود اقتنا ذكر ، بأيد تحكّم شهود اجتنا شكر بأيد عميمة الاقتناء : جمع القنية ، وهي ما يدّخر ، والاجتناء : جمع الثمر واقتطافه ، والأيد الأول بمعنى القوة ، والثاني بمعنى النعمة ، والتحكّم ههنا بمعنى التأثير
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 127 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني