تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
معاني هذه الأسماء التي هي مفاتيح الغيب الثابتة في باطن جميع العوالم - أعني المرتبة الأولى - محفوفة تلك المعاني التي هي نفس الذات الأقدس في هذه المرتبة الأولى بشهود الذات نفسها في نفسها ، وهذا الشهود هو مكنون أعيان النسب الذاتية بحيث لم تفهم هذه المعاني ولم تشهد إلّا بعد أن تفهم وتشهد السرائر ، ومن ورائها تشهد وتفهم أعيان النسب الذاتية التي تخفيها السرائر ، ومن ورائها يشهد ويفهم الشهود الوحداني الذات الأقدس ، ومن ورائه وبعد فهمه وشهوده تفهم وتشهد تلك المعاني التي هي عين الذات الأقدس ، فتفطّن وافهم واللّه المرشد .
وآثارها في العالمين بعلمها ، وعنها بها الأكوان غير غنيّة الآثار : جمع أثر وحصول ما يدلّ على كون الشيء ووجوده في العين ، ويستعمل بمعنى التأثير ، وهو المراد هنا ، والضمير في الآثار عائد إلى هذه الأسماء الظاهرة في العالم الإنساني ، وكذا في قوله : وعنها . وأما الضمير في بها ، فإنه عائد إلى معانيها وبواطنها التي هي مفاتيح الغيب المذكورة ، وكذا ضمير بعلمها والمصدر مضاف إلى المفعول ، والواو في قوله : وعنها للحال ، والباء في بها يتعلق بغنية ، فإنه يقال غنيت بالمال عن السؤال . يقول : إن آثار هذه الأسماء الظاهرة من الإنسان من قائل وبصير وسميع ، وقدير من حيث صورته ونفسه وقلبه وروحه وسرّه جميعا بتصرّفه بها في العالمين كائنة بواسطة علمه تلك الأسماء الذاتية التي هي مفاتيح الغيب الباطنة في هذه الأسماء المضافة إلى الإنسان والمحفوفة بمكنون ما تخفيه سريرته ، بحيث إنه إذا لم تعلم هذه الأسماء الذاتية وصورها اللفظية الدالّة عليها الكامنة في معانيها ، ولم تعلم أعظميّة كل واحد منها وأثر سرايته في هذه الأسماء المضافة إلى الإنسان بانفتاح أبواب أبطنها فيه لا يتمكن من التصرّف في العالمين بإفناء وإبقاء وإعدام وإنشاء لتصرّف من عنده علم الكتاب بإفناء عرش بلقيس في سبأ ، وإنشاء مثله كما هو بين يدي سليمان عليه السلام ، وكتصرف عيسى عليه السلام بإحياء الموتى وغيره بعلم هذه الأسماء الذاتية ، وتوقف نفاذ التصرّف في العالمين على علم هذه الأسماء الذاتية المحكوم على كل واحد منها بالأعظمية إنما كان في حال عدم استغناء الأكوان بهذه الأسماء الذاتية في حكمها الإيجادي ، وإفاضة الوجود على