تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
والجنانية والجهنمية ، وليميّز اللّه الخبيث من الطيّب ويتميّز أهل القبضتين ، ولئلا يتوهّم إضافة غلط ونقص لازم لحالة الحجابية بالنسبة إلى بعض المدارك إلى الجناب الأقدس ، وليظهر تفاوت درجات أهل العلم في استعمال تلك الصفات والتلبّس بأحكام هذه الأسماء ، فإن حقيقة هذه الأسماء والصفات ثابتة في بعض المظاهر ومنفيّة عن البعض ، على ما قال تعالى :
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
[ الأعراف : الآية 179 ] ، وفي موضع آخر :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 24 ) [ هود : الآية 24 ] ، فكانت الحكمة في التسمية المجازية هذا الذي ذكرناه ، فإذا عرفت نفسي متّصفة بهذه الصفات على سبيل التورية عرفت ربي موصوفا بها على الحقيقة ، فإن المجاز قنطرة الحقيقة ، وكنت ممن عرف نفسه فعرف ربّه عند معرفتها .
رقوم علوم في ستور هياكل ، على ما رواء الحسّ ، في النّفس ورّت الهيكل في الأصل : الفرس الضخم والبناء المشرف ، وبيت الأصنام للنصارى ، ويستعمل في الشخص والصورة ، والستور : جمع ستر وهو ما يستر به ، ويستعمل فيما يعلق على باب البيت ليستر به ما وراء البيت من داخله ، وهو المراد في البيت ، وورت من التورية ، وهي إظهار شيء يكون المراد غيره بخفية ، والبيت مجموعه خبر مبتدأ محذوف . يقول : صور هذه الجوارح من حيث ظهور الصفات عنها هي رقوم مرقومة ورسوم مرسومة مكتوبة ، تفهم معاني وعلوما جمّة ، بحيث تكون صورة الفم واللّسان رقما يفهم معنى جميع ما تتضمّنه الكلمات المقولات ، وصورة العين رسما يظهر معنى جميع المبصرات ، وصورة الأذن كتابة تبين علوم جميع المسموعات ، وصورة اليد نقشا تبدىء علوم جميع المفعولات ، وهذه الرقوم والرسوم منقوشة على سائر من صور بشرية عنصرية ، علقت تلك الستائر على باب دار القرار التي هي وراء عالم الحسّ والمحسوسات ، أظهرت حضرة المحبوب بطريق التورية أن تلك العلوم المفهومة من تلك الرقوم والرسوم حاصلة في نفسي من جهة كونها مقيّدة بتدبير هذه الصورة البشرية العنصرية فحسب . والواقع أن تلك العلوم كلّها عائدة إلى الحضرة الأحدية الجمعية ، فإنها من جهة أن كل واحد من نسبها في تلك الحضرة متّسم بسمة الكلّية بجمعها بكليّتها