الطريق ؛ كالدين والشرع ، أو صوريّا كالسبل في الأرض ، فأراد بأعلام الصفات صفة الكلام والبصر والسمع والقدرة ، فإنها أصل الصفات وأعظمها وأظهرها وأشهرها بالنسبة إلى جميع المراتب وأهليها ، وأراد بظاهر المعالم محال ظهور هذه الأعلام وهي اللّسان والعين والأذن واليد الكائنة هذه الأعلام في ظاهر هذه المعالم ، وأراد بقوله : من نفس بذاك : النفس الكاملة النفيسة المتّصفة عليمة بصفة الجمعية والاشتمال والتنكير فيها للتعظيم ، أي من نفس ، وأي نفس عالمة بحقيقة ما يتعلّق بهذه الأعلام علما محقّقا .
يعني : لما عينت الحضرة الأحدية الجمعية بحقيقتها وتجلّيها الأول ، واختارت هذه النفس الأنفس والمزاج الأشرف الأقدس المحمدي لمظهريّتها من حيث وصف الكثرة النسبية المضافة إليها ؛ لأجل أن يظهر هذا التجلّي الأوّل بهذا المظهر وقواه وأعضائه ومداركه الظاهرة والباطنة بجميع الكمالات المتعلّقة بوصف كثرته النسبية في العوالم الكونية ، ويدرك من حيثيته جميع ما في هذه العوالم ، ويؤثّر به وبقواه الظاهرة والباطنة في هذه العوالم المنسوبة إلى وصف الكثرة منها من كون جميع هذه العوالم ظاهرة لأنفسها بعد ما كانت مخفية ، بل معدومة لأنفسها ، وظاهرة وموجودة بالنسبة إلى خلاقها العلام بها في علمه الأزلي ، فإن إدراك كل شيء من الجهة الحكمة البالغة ومقتضاها لا يتمّ إلّا بما يناسب ذلك الشيء ، وكذا الأثر في كل شيء لا يكمل إلّا بما يناسبه ، لهذا المعنى كان العلم المضاف إلى أعلام الصفات الكائنة في ظاهر المعالم اللّسان والعين والأذن واليد المتعلق ذلك العلم بالمعقولات والمبصرات والمسموعات والمقدورات المفعولات في الكون مختصّا بهذه النفس الكاملة المعيّنة للمظهرية المذكورة التي تعيّنت هذه الصفات في أبطنها الستّة من معانيها الثابتة في البطن السابع لتصير آلاتها في تحصيل المقصود الذي ظهرت هذه النفس لأجله من كمال العرفان ، فإن شئت أن تعرف ربك من حيث تلك المعاني ، ومن حيث حقائق هذه الصفات وصورها في جميع العوالم ، فإن هذا العرفان والعلم هو العرفان الحقيقي والعلم الأصلي المطلوب المقصود الأوّل لعينه الذي لا شكّ ولا نكران ولا خفاء يلحقه أصلا ، فخذ ذلك العلم والمعرفة من هذه النفس فاعرفها بها تابعة من حيث بعض أبطن هذه الصفات ، ومتبوعة من حيث جميع أبطنها ، فإذا عرفت ربك وكمل حصول المقصود من كونك .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 120
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٠