أشار إلى ذلك الشيخ الإمام أبو طالب المكي قدّس اللّه روحه - في كتابه بقوله :
قال بعض العارفين : إن الأنفاس الإنسانية هي التي تدير الأفلاك أو لفظ هذا معناه ؛ فلا جرم كما أنه بوساطة التشكّلات الفلكية والاتّصالات والقرانات الكوكبية تظهر من جمعية حضرة الموجد الخالق تعالى وتقدّس في العرض ، وما فيها صور محسوسة وآثار مع أن تلك التشكّلات والاتّصالات والهيئات أعراض لا يبقى في نشأتها ، فكذلك بوساطة التشكّلات والاتصالات والهيئات الحاصلة من هذه الأشخاص الإنسانية من أفعالها وأقوالها تظهر من حضرة جمعية الخالق الموجد تعالى وتقدّس في الأفلاك صور محسوسة وآثار ، مع أن هذه الهيئات والتشكّلات الفعلية والقولية أعراض في هذه النشأة الدنيوية ، ولكن تتصوّر وتتجسّد في ذلك العالم وتظهر في النشأة البرزخية والحشرية والجنانية والجهنمية ، فيتلبّس الإنسان بها في تلك النشأة ويتلذّذ ويتألم ، إلّا أن روحانية تلك الصور وهي النيّات المقرونة بها هي التي تقيم وتبقي صورها في تلك النشأة ، فكل ما كانت النيّة فيه أخلص كان تعيّن الصورة في محل أرفع وأعلى من درجات الجنّة والكثيب وسوقهما ، حتى أنه إذا اتّفق صدور فعل أو قول مقرون بنيّة في أعلى مراتب الإخلاص تفضي إلى
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : الآية 55 ] ، كما ورد ذلك مصرّحا في قوله صلى اللّه عليه وسلم في جملة حديث « لا إله إلّا اللّه ليس لها دون اللّه حجاب حتى تخلص إليه » « 1 » ، يعني هذه الكلمة إذا صدرت عن نيّة مخلصة عن جميع الشوائب الخلقية من تطلع نفس أو روح أو قلب لا تحجب له شيء من المظاهر ، ثم على حسب الشائبة حتى شائبة تطلع القلب يتصوّر في مرتبة خلقية ، كما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم : « ما قال عبد لا إله إلّا اللّه مخلصا من قلبه إلّا فتحت له أبواب السماوات حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر » « 2 » ، وكل ما خلا عن نيّة صار في الزمان الثاني هباء منثورا لعدم الروحانية المقيمة إيّاه .
وأمّا أفعال الشر وأقواله ، فيصير كالأعراض والجلود منضمّة إلى جوهرية الفاعل وجسميّته ، وصارت أسباب دوام عذابه ؛ كما قال تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النّساء : الآية 56 ] ، وذلك بحسب تنوّعات
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد ، باب 87 ، حديث رقم ( 3518 ) [ 5 / 536 ] .
( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب دعاء أم سلمة ، حديث رقم ( 3590 ) [ 5 / 575 ] .