تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
ومن أحكام مقام الإسلام : أن يكون الغالب فيه حكم الحجابية ، وليس أحكام الخلقية والكونية وشهود الكثرة جميع أحكام الحقية الإلهيّة ، وشهود الوحدة وعالمها . ومن أحكام هذا المقام : التقيّد بعالم الحكمة الذي من خصائصه تعلّق كل شيء فيه بسبب أو أسباب ، بحيث لم يظهر فيه شيء بلا سبب ، ولم ير فيه شيء إلّا ويكون سببا ومسبّبا أو معا بنسبتين ، وهذا من أثر جمعيّة الأسماء وسرايتها في آثارها نحو سراية الفاعلية والقابلية في كل اسم إلهي وأثره ومظهره ، وفي كل حقيقة كونية متبوعة وتوابعها ، حتى أن الهيئات والصور التي أمر الشارع بالتلبّس بها كهيئة الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والأذكار والتسبيحات والتهليلات كلّها أسباب لانتشاء الصور البرزخية والحشرية والجنانية والكثيبية ، فلهذا كانت الأحكام الشرعية هي الأحكام الحكمية ، أي المختصّة بعالم الحكمة . ولمّا صحّ وكمل انقياد الظاهر والقوى والأعضاء البدنية للأحكام الشرعية رغبة أو رهبة بصحة إحساس النفس عن مبدئها ومعادها سرى حينئذ إثر هذا الإحساس المذكور بأصلها ومبدئها الذي أوجدها عن عدم وبالأبدية الرجوع إليه ، وبثبوت الواسطة من الأنبياء والملائكة وبتحقّق المجازاة يوم القيامة العامّة لا الخاصّة المعنيّة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » « 1 » من النفس والحسّ إلى الروح الروحانية ، فحملها على التخلّق بهذه الأسماء الأصلية ، أولا باسم السميع بإزالة الصّمم عن إدراك ما وراء المسموعات الحسّية ، وباسم البصير بإزالة عماه عن إدراك ما وراء المبصرات الحسّية ، وباسم المتكلّم بإزالة البكم عن الإخبار بما وراء عالم الحسّ ، ونحو ذلك من التحقّق باسم القدير والحيّ والعليم وأمثالها على نحو ما ذكرنا من إزالة التقيّدات عن وجوده ، وحينئذ يكون داخلا في دائرة مقام الإيمان الذي هو قبول الروح والقلب ما غاب عن عالم الحسّ والمدارك المختصّة به ، وهذا المقام هو مقام غربة النفس عن مقرّها العادي الطبيعي . فكان من حكم مقام الإيمان : التخلّق بالأسماء الإلهيّة ، وعند ذلك تظهر حقيقة الوحدة والعدالة الكامنة بين ظاهرية النفس وبين باطنية الروح ، فإن النفس
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 1117 ) [ 1 / 285 ] ؛ والطبري في تهذيب الآثار مسند علي ، حديث رقم ( 797 ) [ 2 / 548 ] .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 112 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني