تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
والجهاد ومتمّماتها ؛ كالطهارة والنظافة ونحو ذلك ، ثم ما يتبعها من أحكام الحل والحرمة والحدود والأمور السياسية المتعلقة بالحكمة والتعلّق بالأسباب ، وحينئذ يكون معرضا عن آثار الكثرة ، والانحرافات الطبيعية إلى أنوار الوحدة واعتدال حكم الشريعة ويسري أثر هذا الانقياد في جميع الأعضاء والجوارح ، فتستسلم وتتقيّد بقيود تكاليف الأمر والنهي والحدود والسياسات لينحفظ بهذا القيد التكليفي الشرعي عن غلبة حكم كثرة عالم الحس وحكم الطبيعة واقتضاءات انحرافاتها وعاداتها الحاصلة من حكم إطلاق الطبيعة على حكم عالم الملكوت والجبروت وأثر وحدتهما وعدالتهما وبساطتهما . وهذا القيد التكليفي كان نتيجة قيد الوجود الوحداني بأحكام كثرة عالم الطبيعة والحسّ وخلاص الوجود عن هذا القيد بالتحاقه بعالم إطلاقه بإعراضه عن عالم الكون ، والإحساس بأحكامه وآثاره من الخير والشرّ والنفع والضرّ واللذّة والألم والحسن والقبح ، وبغيبته عن العقل المميّز بين هذه الأشياء في هذه العوالم الكونية ينتج خلاص الوجود عن قيود التكاليف ، وإذا رجع من عالم الإطلاق الوجودي وعالم الجبروت إلى عالم الكون ، وأحسّ بعقله بأحكام هذا العالم وميّز به بين خيره وشرّه ونفعه وضرّه ، ورؤية الأسباب وتعلّق المسبّبات بها عاد إليه قيد التكليف ، فإن هذا القيد لا يفارق ذلك القيد في هذه النشأة الدنيوية أصلا ورأسا ، فهذا الانقياد والاستسلام ومبدأ الشروع في السير لدفع هذه القيود عن الوجود مع اقتضاء النفس والطبع بطريق الدفع والمنع عن تحقيق هذا السير هو مقام الإسلام ، ومن فروعه مقام الانتباه والتوبة والإنابة والمحاسبة والاعتصام والتبتّل والمجاهدة والرياضة والتهذيب والحدّ وقطع العلائق ، وترك الاشتغال بما لا يعني قولا وفعلا وترك التسويف في رعاية الأوقات ونحو ذلك . ومن أحكام مقام الإسلام : التعلق بجميع أسماء الحق تعالى ، فإنه كان قبل دخوله في دائرة الإسلام لم يكن له تعلق تامّ باسم الهادي والرشيد والتواب والغفار والغفور والعفو وأمثال ذلك مما هو من توابع اسم الرحيم والهادي ، ولكن كان له تعلّق نسبي باسم اللّه والرحمن والخالق والباري والرزاق والكريم والحليم ، وبما لا ينافي حكمه حكم وصف القهر والإضلال ، وبعد دخوله في دائرة الإسلام عمّ تعلقه بجميع هذه الأسماء ، فلهذا كان مقام الإسلام مقام التعلق .