والجهل بمبدئه ومعاده عاملا بحكم طبعه وهواه ومراده ، فعندما أعقل وأحس بالمبدأ والمعاد وأخذ في السير من طبعه إلى ربّه بحكم شرعه إمّا أن يكون في مبدأ هذا السير مع غلبة حكم الطبع واقتضاء نفسه الملهمة فجورها وتقواها ، فهو في مقام الإسلام . وإمّا أن يكون في وسطه ، وذلك بظهور أحكام الروح الروحانية على أحكام النفس والطبع ، فهو في مقام الإيمان . وإمّا أن يكون في آخر سيره من نفسه وطبعه وبعده عنهما وقربه من ربّه ، وذلك عند ظهور آثار حقيّة ربّه على آثار خلقية نفسه ، فهو في مقام الإحسان ، ويشتمل كل مقام منها على مقامات ومنازل كثيرة .
وتحقيق ذلك أن الوجود المفاض المضاف إلى كل حقيقة إنسانية حيث صار متنزّلا متجاوزا مراتب الاستبداع من مرتبة الأرواح إلى مرتبة المثال عرشا وكرسيّا إلى مرتبة الحسّ من سماوات وعناصرا في المركبات جمادا ونباتا وحيوانا ، ثم إلى مرتبة الاستقرار في الرحم إلى أن بدا بصورة مزاج مسوّى إنساني منفوخ فيه من الروح الروحانية أثرا متعلّقا بروحه الحيوانية المسمّاة هذه الهيئة الاجتماعية نفسا مدبّرة ملهمة فجورها وتقواها انصبغ هذا الوجود المضاف بأحكام هذه المراتب التي مرّ عليها وتقيّد بأوصافها من الكثرة والتركيب والألواث الطواث الطبعية ، وخفت أحكام وحدته وبساطته وطهارته وقدسه ونزاهته في هذه الأحكام الخلقية التركيبية الحسّية ، وبعدت بذلك نسبته من أصله وحجب عن علمه الفطري بأصله وبما منه وبالأبدية الرجوع إليه ، وعن العلم بطريق الرجوع ، وعن العلم بواسطة يعلم بها طريق الرجوع ، وبما يكون عاقبته في مرجعه ، وعن العلم بتصوّر ما يعمله من الخير والشرّ في نشأة مرجعه ووصول تلك الصور المصوّرة بهيئة ما يوجب لذّته أو ما يستلزم ألمه من الثواب والعقاب ، فكان بمنزلة الأنعام ، بل هو أضلّ وأجهل .
والدليل على ما قلناه قوله عزّ من قائل :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
[ النّحل : الآية 78 ] ، فأوّل ما يحصل له الإحساس بشيء مما ذكرنا بواسطة تقليد أبويه أو إمامه أو رسوله إنما يكون ذلك الإحساس من جهة النفس الملهمة ، فتنقاد النفس لما وصل إليها من الدعوة وترجع عن متابعة الطبيعة والهوى إلى ملازمة الدعوة والشريعة ، ثم في ضمن ذلك تستسلم لما يتبع تلك الدعوة من الأحكام مثل الأمر بالشهادة ، ثم ما يتبعها من الصلاة والزكاة والصوم والحجّ