الظاهرة من الوجود مفيضا ومفاضا من الأزل إلى الأبد ، وكل الذات كانت يدا فعّالة رادّة حكم اللاظهور عن عينها ، وأن هذا اللفظ واللحظ والسمع واليد هي معاني هذه الصفات الأصلية المذكورة المثبتة تلك المعاني فيما وراء عالم اللبس ، أعني تلبّس الذات الأقدس فيها بلباس الصفات والأسماء ، ثم بلباس أحكام مراتب الخلقية من مرتبة الأرواح والمثال والحسّ .
الأسلوب الثاني : وهو يتضمّن بيان أحكام الأسفار الثلاثة المختصة بسائر السائرين إلى مقام الكمال ، وبيان حكم السفرة الرابعة الخصيصة بسير نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى مقام الأكمليّة المتعلقة تلك الأحكام بغاية كل سفرة منها ، وتلك الغاية إنما هي التمكين في تلوينات ذلك المقام وما تحتها .
وأمّا السفرة الأولى ، فهي من ظاهر النفس الملهمة فجورها وتقواها إلى ظهور ظاهر الوجود الواحد في القلب الكامن في النفس وانفتاح عين السائر من حيث رابع أبطن من الأبطن السبعة التي لنطقه وبصره وسمعه قوّته الفعّالة ، فيبصر حالتئذ بالحقّ أنه لسانه وبصره وسمعه ويده ، فبالحق كان يقول ، وبه كان يسمع ، وبه كان يبصر ، وبه كان يفعل ، ولم يدر ذلك إلى الآن .
وغايته في هذا المقام أمران ، أحدهما : أن يتمكّن فيه بحيث لا يحجبه شيء من تجلّيات ظاهر الوجود والأسماء المنتشئة منه ومن أحكام هذه الأسماء عن شيء منها ، والأمر الثاني : أن يتمكّن من إضافة ما للحق من الآثار والتصرّفات المختصّة بالربوبية إليه ، ومن إضافة ما لحقيقته الممكنة من القبول والفقر والتأثّر اللائق بالعبودية إليها رعاية لعهد
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : الآية 172 ] ، فكل ما يبدو من التصرّف والتأثير منه بعلم هذه الأسماء الذاتية التي هي مفاتيح الغيب يستحضر في حال التصرّف وقبله وبعده أن ذلك لربّه لا له .
وأما حكم التمكين في هذا المقام ، فإنما هو تصرّف هذه المفاتيح ، أعني إظهار تصرّفاتها في العالم من حيث لسان هذا السائر وبصره وسمعه ويده بحكم إذن عام مصاحب للتجلّي الظاهر في قلبه لا بحكم إذن خاص في كل تصرّف جزئي أو كلّي ، بحيث إنه إذا تكلّم هذا السائر المصرّف لهذه الأسماء الذاتيّة من حيث مشاعره بصورة مباهاة ومفاخرة يكون ذلك كلام ربّه يفتخر به ويباهي به على نحو ما ورد في جملة حديث يوم عرفة ، يقول : وإنه - يعني اللّه تعالى - ليدنو