لنفحات جوده أيها السالك السائل ، واستنشق غيث ولائه فسيل الجود سائل ، فكم قاصد أعطاه قبل الطلب فكفاه سؤاله .
أحمده على ما أجزل من بر فأناله . وأسبل من ستر على العاصي فأطال إمهاله . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة صادرة عن حق يقين وصدق مقاله . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بأوضح الدلالة ، وختم به النبوة والرسالة ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة ما حسنت في ذوات الياء الإماله . وصح في حروف البيان قبل الهمز المد والإطالة .
في قول اللّه عز وجل
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )
هذا تخويف عظيم وتعريف بأمر ذي خطر جسيم بأن اللّه يعلم ما أضمرت في نفسك وإن خفى على الخلائق فاحذر من سطوته وإقامة عدله في المطالبة بإقامة الحقائق
( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ )
بطشه بطش جبار ، وأخذه أخذ قهار ، ثم أتبع هذا التخويف بذكر الجود العميم فقال تعالى
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )
رحمته رحمة غنى كريم ، وحلمه حلم رؤوف رحيم ، إذا بطش أدهش حتى لا طاقة ، وإذا رحم أنعش حتى لا إفاقة ، فالعارفون أبدا بين الجلال والجمال فهم في دهش عظيم وأنس ووصال ، والعابدون بين خوف ورجاء وخشية وحياء .
قال بعض العارفين : إن للّه عبادا أسكتتهم خشية اللّه من غير عىّ ولا بكم وإنهم لهم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه ورسوله العالمون باللّه وآياته ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة اللّه تعالى تقطعت قلوبهم وطاشت عقولهم وكلّت ألسنتهم فرقا من اللّه عز وجل وهيبة لجلاله .
قيل للحسن البصري : كيف تصنع بمجالسة أقوام يخافوننا حتى تكاد قلوبنا أن تطير فقال : واللّه لأن تجالس من يخوّفك حتى يدركك الأمن خير من أن تجالس من يؤمنك حتى يدركك الخوف .
وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود إن أحوج ما يكون العبد