تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ترى لو أنك أتيت بجميع ذنوب أهل الأرض لغفرها لك . وقال يحيى بن معاذ : لا يرفع للمؤمن قط سيئة إلا وهي بين حسنتين ، رجاء العفو قبلها ، وخوف العقاب بعدها . وقال إبراهيم الخواص : بينما أنا في طريق مكة أمشى إذ وقع في خاطري العزلة فانفردت عن الناس ومشيت ثلاثة أيام ما خطر في قلبي طعام ولا شراب ، فوصلت إلى روضة خضراء فيها رياحين كثيرة ونهر من ماء فوقفت متعجبا منها فإذا بنفر قد أقبلوا عليهم مرقعات حسان فسلموا علىّ وحفوا بي فقلت من أنتم ؟ قالوا نحن نفر من الجن المؤمنين سمعنا القرآن من محمد صلى اللّه عليه وسلم فسلبتنا حلاوة كلامه جميع اللذات ، فانقطعنا إلى اللّه في هذا المكان فقيض « 1 » اللّه لنا هذه الروضة كما ترى ، ولقد اختلفنا في مسألة وسألنا اللّه أن يقيض لنا من يبينها لنا ، فقلت كم بيني وبين الموضع الذي فارقت أصحابي فيه ، قالوا ثلاثة أشهر ، وإن هذا الموضع لم يصل إليه آدمي قبلك إلا شاب أتانا يوما ونحن جلوس نتذاكر المحبة فسلم علينا فرددنا عليه السلام وقلنا له من أين أقبلت ؟ قال من مدينة نيسابور خرجت منها منذ سبعة أيام ، قلنا وما أخرجك منها ؟ قال آية سمعتها قال اللّه تعالى
( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ )
الآية ، فقلنا ما الإنابة ؟ قال أن يردّك اللّه تعالى عنك إليه ، قلنا فما العذاب ؟ قال عذاب الفراق ثم صاح صيحة ووقع ميتا فواريناه التراب وهذا قبره ، قال إبراهيم فنظرت وإذا قبره في وسط الروضة حوله رياحين كثيرة وعلى القبر مكتوب هذا حبيب اللّه قتيل الغيرة ، وإذا طاقة نرجس كأنها رحا عظيمة وعلى ورقة منها مكتوب صفة الإنابة فقرأتها وفسرتها لهم ، فقالوا كفيتنا جواب مسألتنا ، ووقع فيهم الطرب ووقع علىّ النوم ، فانتبهت فإذا أنا عند مسجد عائشة . ويقال من كرم اللّه تعالى أنه يقبل الإنابة من القلب وإن لم توافقه النفس ، قال اللّه تعالى :
( وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ )
ولم يقل بنفس منيبة . وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما في قول اللّه تعالى
( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )
قال : هو أن اللّه تعالى جعل التوبة مقبولة
هامش
( 1 ) قيض : بمعنى قدر ، ومنه قوله تعالى :( وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ ) .
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 232 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد العزيز الدريني