الفصل الرابع والعشرون في الحذر
الحمد للّه الذي خلق الإنسان من سلاله ، وركّب بلطف حكمته مفاصله وأوصاله ، ورباه في مهاد لطفه ثلاثين شهرا حمله وفصاله ، ورقاه في أطوار خلقه حتى بلغ أشده وكماله ، وزينه بالعقل والعلم فأزال عنه ظلماء الجهالة ، وأجرى عليه ما سبق به القضاء . فللّه الاختيار لأنه بمشيئته الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلالة . أسعد أولياءه بقربه فجعل حظهم أنسه وإقباله ، وأعزهم بخدمته وطهر أسرارهم لحضرته فهي في الملكوت جواله . ألقوا هممهم ببابه وتلذذوا بمناجاته وخطابه وتنعموا بسماع كتابه فأكمل لهم بذلك أفضاله ، لا يبرحون من بين يديه ، ولا يعوّلون إلا عليه . ولا يشتاقون إلا إليه . وكيف يصبرون وقد شاهدوا بأسرارهم جماله ؟ امتلأت قلوبهم بهيبته ، وغرقت أفكارهم في بحر معرفته فازدادت عطشا ودهشا حين شاهدت جلاله ، فسبحان من اختارهم لنفسه ، ونعمهم بأنسه وأجزل لهم نواله ، وحجب قوما عن هذه العوارف ، وقطعهم بعدله عن رياض المعارف ، وقيدهم بقيود القواطع والعوائق والصوارف ، وكيف يسرح في رياض العرفان من أوثق الحرمان أغلاله ، فأسماعهم لا تلتذ بخطابه ، وقلوبهم لا تنزعج لعتابه ، وأرواحهم لا ترتاح إلى مسارح أحبابه ، شتان بين حالة وحالة ، كم بين من يسّر له مولاه سبيل السعادة وحقق آماله ، وأجزل نصيبه من التوفيق وقبل أعماله ، وبين من قطعه عن خدمته وأبعده عن حضرته فأطال حجابه ونكاله .
الأمر أمره والحكم حكمه ، والملك ملكه . فلا ترى في الملكوت إلا أفعاله ، تعرّض