لما دخلوا عليه فأقبل عليهم مسائلا ، وأقبل الدمع سائلا ، وتقلقل « 1 » تقلقل الواجد ، ليسمع أخبار الوالد ، فلما جاءوا وبلّغوه السلام عن يعقوب انتفض طائر الوجد لذكر المحبوب ، فردّ السلام قلبه قبل لسانه . لما كشف يعقوب ستر الوجد بكفّ
( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ )
أحدقت به عواذل
( تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ )
فحاربهم بسلاح
( وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) *
تاللّه لو وجدوا ما وجد لما أنكروا ما عرف . من تعرض للمحبة فليغرس شجر الصبر فإنها إذا انتهت أثمرت رطبا ، يا هذا جز بنادى المحبة وناد القوم ، تراهم كالفراش تحت النيران أرواح أزعجها الحب فأفلقها الخوف ، سبحان من يمسكها بلطفه .
كان أويس القرني يهرب من الناس مشتغلا بحبيبه حتى قالوا مجنون :
ولقيت في حبّك ما لم يلقه * في حبّ ليلى قيسها المجنون
لكنّنى لم أتّبع وحش الفلا * كفعال قيس والجنون فنون
وكان يرى الناس ينسبونه إلى الجنون والمحبة تنهاه أن يفسر ما استعجم :
أيتهم وجدى وهم بي أعلم * وأرجو شفائي منهم وهم هم
وكم عذلونى فيهم غير مرّة * فقلت لهم واللّه بالسّرّ أعلم
إذا كان قلبي موثقا بحبالهم * وروحي لديهم كيف أفهم عنكم
فإن شئتموا أن تعدلوا فتواصلوا * إلي أن يعود القلب لا يتكلّم
وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه حلية أويس القرني فقوى شوق عمر وعلىّ رضى اللّه تعالى عنهما إلى لقائه ، فكانا في كل عام يسألان عنه أهل اليمن ، فلما كان آخر حجة حجها عمر وعلى رضى اللّه عنهما وجداه بعرفة فتعارفوا ، فقال له عمر مكانك حتى آتيك بنفقة ، فقال لا أراك بعدها :
إن كانت العين مذ فارقتكم نظرت * إلى سوى حسنكم قد خنت في نظري
هامش
( 1 ) تقلقل : بمعنى تحرك واضطرب .