سلها هل اكتحلت من منظر حسن * سوى جمالك يا سمعي ويا بصرى
فاردد لها كحلها الشّافى فناظرها * سهران يقنع بعد العين بالأثر
يا هائما في بيداء الهوى ليس الطريق أن تنفق عمرك في التفريط إنفاق البرامكة ، وتشحّ بدنياك شح الحاجب ؛ ويحك من قبّل فم اللذة عضّته أسنان الندامة ، يا عجمىّ الذهن وافق عرب الفطنة ، إلى متى أنت مع المتلونين ؟ إلى متى تضاف مع النظاف ؟ أنت مع تقصيرك تأمن وكانوا مع الاجتهاد يخافون ، وأنت مع ذنوبك تضحك وهم مع الطاعة يبكون دموع الخائفين محبوسة بالنهار فإذا جن الليل عربد الوجد في أبدانهم ، فاستلب اللحم وأرسل الدمع ثم اشتعل بالعين فصارت شرارة فوقع الحزن في البواطن .
قيل لزيد بن هارون كم حزبك من الليل ؟ فقال أو أنام منه شيئا لا نامت عيناي أبدا :
سلوا عين طرفي إن سألتم عن الكرى * فما لجفون العاشقين منام
قلوب القوم مملوءة بحبه ، فإن نطقوا فبذكره ، وإن تحركوا فبأمره ، وإن فرحوا فلقربه وإن حزنوا فلعتبه ، لا يصبرون عن مناجاته لحظة ، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة .
ولما تمكنت نار المحبة في قلب موسى عليه الصلاة والسلام صوب نار الطور فأسرع إليها ليقتبس فاحتبس ، فلما نودي في النادي اشتاق إلى المنادى . وكان عليه الصلاة والسلام يطوف في بني إسرائيل ويقول : من يحمل لي رسالة إلى ربى ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب ، فلما مر عليه نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج ردده في أمر الصلاة ليسعد بكثرة رؤية حبيب الحبيب ، الشوق ينحل الأبدان ويقلقل القلوب .
وكان فتح الموصلي يبكى ويقول : قد طال شوقى إليك فعجل قدومي عليك ، ألجأهم الشوق إلى الاستقامة
قال بعض الصالحين : لقيت غلاما في طريق مكة ، فقلت له يا فتى أما تستوحش وحدك ؟
قال الأنس باللّه قطع عنى كل وحشة ، قلت أين ألقاك ؟ قال في الآخرة ، قلت أين أطلبك ؟
قال في زمرة الناظرين إلى اللّه تعالى ، إني غضضت طرفي عن كل محرم فسألته أن يرزقني