سيّان إن لاموا وإن عزلوا * مالي عن الأحباب مصطبر
لا بدّ لي منهم وإن تركوا * قلبي بنار الشّوق يستعر
هجر جميع لذاته فلم يلتفت إلى روحه ، ولم يعرّج على شهوة ، ولم يزايل البكاء والضراعة حتى استحال حلو العيش مرا :
وإذا سحابة هجركم قد أبرقت * تركت حلاوة كلّ قلب علقما
كان داود مسرورا بسلامته مبتهجا بعصمته وكرامته فكان يقول : اللهم لا تغفر للخاطئين ، فلما رمته أسهم المقادير صار يقول : اللهم اغفر للمذنبين عسى أن يغفر لداود معهم فكان يؤتى بالإناء ناقصا فيتمه بالدموع . وكان داود إذا أراد النياحة ينادى مناديه في أندية المذنبين فيجتمعون في مأتم الندم فيزداد الحزن بالتعاون وكان يقول : إلهي خرجت أسأل أطباء عبادك يداووننى فكلهم دلوني عليك . إلهي امدد عيني بالدموع ، وضعفي بالقوة حتى أبلغ رضاك عنى .
يا من تجنّب صبري من تجنّبه * هب لي من الدّمع ما أبكى عليك به
حتّى متى زفراتى في تصعّدها * إلى الممات فدمعى في تصوّبه
ولى فؤاد إذا لجّ الغرام به * هام اشتياقا إلى لقيا معذّبه
ما زال يغسل العين بدمع العين ، وكلما رفع قصة غصته جاء الجواب بزيادة الجوى ، وهو يستغيث وينادى ، حتى أقلق الحاضر والبادى .
إنّ شفيعي إليك منّى * دموع عيني وحسن ظنّى
فبالّذى قادنى ذليلا * إليك إلّا عفوت عنّى
يا معشر المذنبين تعرضون عنا ونقبل عليكم ، وتبارزوننا ونستر عليكم ، وتنفقون نعمنا على مخالفتنا ونمدكم ، وتبعدون عن بأننا ونستدنيكم ، وتنأون عنا ونتعرض لكم ، هل من تائب ؟ هل من مستغفر ؟ هل من سائل ؟
أيا من أعرضوا عنّا * بلا جرم ولا معنى