تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

الفصل الحادي والعشرون في الاصطبار

الحمد للّه الذي شهدت بوجوده آياته الباهرة ، ودلت على كرم جوده نعمه الباطنة والظاهرة ، وسبحت بحمده الأفلاك الدائرة ، والرياح السائرة والسحب الماطرة ، والرياض الناضرة ؛ هو الأول فله الخلق والأمر ، والآخر فإليه الرجوع يوم الحشر ، والظاهر فله الحكم والقهر . الباطن يعلم السر والجهر ، والألسن عن وصف كبريائه قاصرة ؛ تحيرت دون صمديته الألباب ، وانقطعت عن جبروته الأنساب ، وخضعت لعزته الرقاب ، وذلت لربوبيته الأرباب ، فالعقول في تعظيمه وجلاله حائرة ، القدوس الواحد الأحد الحي القيوم الصمد الغنى الذي لا يضره جحود من جحد ، العزيز الذي نضّر وجه من تذلل بين يديه وسجد ، ووجوه الجاحدين والمشبهين باسرة « 1 » قرب أولياءه من بساط أفضاله ، ولقاهم السرور بيمن إقباله ، وأحيا قلوبهم بشهود جماله ، وعاملهم بجزيل نواله ، فهم في جنة عاجلة عاطرة . الناس في مهاد الغفلة رقود ، وهم بين قيام وركوع وسجود ، وأشواق وإملاق ووجود ، يسألون المولى فيعطف ويجود ، فأعينهم في الليل ساهرة ، حجب قلوب الغافلين بحب العاجلة فهي عن النظر في آلائه غافلة ، وصرف أسرارهم فهي عن جبلية العرفان عاطلة ، وحرمهم من أنس المناجاة ولذة المعاملة ، وأغشى بصائرهم فهي غير ناظرة ، ما حيلة من طرد عن الباب ، ما يصنع من قطع عن الأحباب ، ما وسيلة من حق عليه حكم الكتاب ، فما يزعجه التعنيف والعتاب ، يا خيبة من لم يكن مولاه ناصره ، السباق السباق ، سار
هامش
( 1 ) باسرة : بمعنى شديدة العبوس ، ومنها قوله تعالى :« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ».