تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
بنتم عن العين القريحة فيكم * وسكنتم طىّ الفؤاد أواله
قال رجل لداود الطائي أوصني ، قال داود : قرح بطنك بالجوع ، واقطع مفاوز الدنيا بالأحزان ، وآثر حب اللّه تعالى على هواك ، فما تبالى متى تلقاه ؟ قام القوم فما يقعدك ؟ قربوا من الجنات فما يبعدك ؟ فتحت لهم الأبواب فما حيرتك ؟ هذه الأطلال فأين السؤال ، هذه الخيام فأين الخدام ؟ هذه الربوع فأين الدموع ؟ هذه القصور فما هذا القصور ؟ هذه القبور فما هذا الفتور ؟ هل لك رغبة في مرافقة الصالحين ؟ أو رضيت أن تكون مع الخالفين ؟ يا من قلبه أقسى من حجر ، حدّ نفسك بيد الفكرة ، واخرج إلى المقابر وقل لهم ماذا تتمنون ، فإنهم لو نطقوا لقالوا نتمنى ساعة من عمرك ، ومثل نفسك في عرصات القيامة بين المفرطين ، تر الوادي قد امتلأ بدموع الأسف ، ومثل حسك بأصوات المسجونين في النار إذ يقولون :
( رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً )
هذا الذي أقلق العباد ، وأحرق الأكباد . اجتمع أحمد الخزاعي وحبيب بن محمد أول النهار فما زالوا يبكون إلى المغرب ، فما قنعت المحبة من القوم بالبكاء والسهر حتى طلبت منهم الأرواح . سمع بعضهم قارئا يقرأ
( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ )
فاضطرب ومات . وسمع آخر قارئا يقرأ :
( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ )
فصاح ومات . وسمع آخر قارئا يقرأ
( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً )
فصاح ومات . وسمع آخر قارئا يقرأ
( وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ )
فصاح ومات .
قضى اللّه في القتلى قصاص دمائهم * ولكن دماء العاشقين جبار
لو حضر قلبك لما شرحنا لاسترحنا ، يا من قد ضاع قلبه أنشده في مجالس الذكر ، فإن لم تجده فبين القبور ، فإن لم تجده ففي البرّية ، اخرج عن ديار إدبارك ساعة إلى فلوات الخلوات ولا تصحب غير الذكر :
تعرّض لأحقاف اللّوى غير ساعة * لعلّك أن يلقاك قلبي فيهتدى