يا منقطعا عن ركب السابقين في بيداء الغفلة ، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، شمّر عن ساق الجد ، وشدّ عن مئزر الكد ، واحذر حسرة البعد ، فعسى أن تلحق بالقوم ، ويحك أما يؤلمك ألم الهجران ؟ أما يبكيك الحرمان ؟ قف على أطلال الديار ، وتلمح الآثار وقل يا ديار الأحباب أين السكان ؟ يا منازل الصالحين أين الخلان ؟ يا أطلال الشوق أين البنيان ؟ :
علىّ لربع العامريّة وقفة * تملى علىّ الشّوق والدّمع كاتب
ومن مذهبي حبّ الدّيار لأهلها * وللنّاس فيما يعشقون مذاهب
ما لبقاع الصالحين قد خلت منهم وأقفرت ، ما لوجوه العبادة التي تبرقعت بعد ما أسفرت ؟ أين الجباه التي طال في الدجى ما عفرت .
كفى حزنا بالواله الصّبّ أن يرى * منازل من يهوى معطّلة قفرا
من وقف على قبر بشر ومعروف ، تذكر ما كانا فيه من خير ومعروف ، أين نحن من القوم ؟ كم بين اليقظة والنوم ؟ أين العباد من الزهاد ؟ ذهبوا وبقي أهل الرقاد . قالت أم سعيد النخعي : كان بيننا وبين داود الطائي حائط قصير وكنت أسمع حسه طول الليل يهذى ، قيام الليل جهاد ، ولا يحضر المعترك جبان . كانت منيرة العابدة إذا جن الليل تقول ما أشبه هذه الظلمة بظلمة القيامة
( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ )
ثم تقوم فتصلى إلى الصباح . وقالت أم عمر بن المنكدر : يا بنى إني أشتهي أن أراك ، نائما بالليل ، فقال يا أماه إن الليل ليرد علىّ فيهولنى وينقضى عنى وما قضيت أربى . وكان بشر الحافي لا ينام إلا أن يغلب ويقول : إنما أنا رجل مطلوب . وكان بعض الصالحين يصلى بالليل ركعتين يختم فيهما القرآن ، ثم يتم الليل بالبكاء ، يا هذا لم يكن للقوم همّ غير ما خلقوا له فأما نفوسهم فلا اهتمام لهم بها . عرى أويس القرني حتى ائتزر بخرقة . وقدم بشر الحافي من عبادان وهو مؤتزر بحصير . وكان أويس يلتقط النوى فيشترى به ما يفطر عليه ، فإذا أصاب حشفة ادخرها لإفطاره ، ويلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويرقع بها ويفر من الناس فلا يجالس أحدا .