تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
عن مراقبة الرب ، ويقال إنما تحصل القسوة من متابعة دواعي الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان ، وأول ما يقع في القلب غفلة ، فإن أيقظه اللّه تعالى وإلا صارت خطرة ، فإن ردّها اللّه وإلا صارت فكرة ، فإن صرفها اللّه وإلا صارت عزمة ، فإن حماه اللّه وإلا وقعت المعصية ، فإن أنقذه اللّه بالتوبة وإلا وقعت قسوة ، فإن نهاه اللّه وإلا صارت طبعا ورينا ، قال اللّه تعالى :
( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ )
قال إبراهيم بن أدهم : قلب المؤمن نقى كالمرآة فلا يأتيه الشيطان بشئ إلا أبصره ، فإن أذنب ذنبا ألقى في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب محيت ، وإن عاد إلى المعصية ولم يتب بقيت النكتة حتى يسود القلب فقلّ ما تنفع فيه الموعظة . وقال الحسن : الذنب على الذنب يظلم القلب حتى يسود القلب ، ويقال القلب كالكف لا يزال يقبض أصبع بعد أصبع حتى يطبق . وقال الترمذي : حياة القلوب الإيمان ، وموتها الكفر ، وصحتها الطاعة ، ومرضها الإصرار على المعصية ، ويقظها الذكر ، ونومها الغفلة . وقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فتقسوا قلوبكم . والقلب القاسى يعيد من اللّه ولكن لا تعلمون وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب فإنما الناس معافى ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء واحمدوا اللّه على العافية . عباد اللّه البدار البدار فالعمر طيار كما قيل :
إنّما هذه الحياة متاع * فالجهول السّفيه من يصطفيها ما مضى فات والمؤمّل غيب * ولك السّاعة الّتى أنت فيها
يا هذا ، قد قرب السفر فأحكم أحمال الأعمال ، واقطع علقك من البلد فإذا ضرب بوق الرحيل كنت أول سائر ، كم تعاهد ثم تغدر ، أأمنت غب زجرنا ؟ أو رضيت عاقبة هحرنا ؟ ألك عن وصلنا مندوحة ، أما أبواب كرمنا لك مفتوحة ، يا ناسيا ميثاق
( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ )
حسن العهد من الإيمان ، ومن كرم المرء فرط الحنين إلى أوطانه .