من شبه فهو ملحد ، ومن عطل فهو جاحد مائن ، المشبّه متعلق بالحس والخيال ، والمعطّل تائه في بيداء الضلال ، والمحقق مصدق بصفات الكمال ، معترف بالعجز عن إدراك الجلال ؛ فسبحان ذي العزة والعظمة والكبرياء والجلال والإكرام والمحاسن ، الذي أيقظ قلوب السعداء من سنة الرقاد ، وسلّمها بعنايته من الشقاء والعناد ، وطهرها بمنته من دنس العباد ، وأنزل عليها من بحار رحمته مطر الوداد ، فذاقوا حلاوة الموعود بقوله سبحانه وتعالى
( فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ )
فأسرارهم بهجة بطيب ولائه ، وألسنتهم لهجة بحسن ثنائه ، وقلوبهم مشرقةبتعظيمه وكبريائه ، وحرقتهم لا تسكن إلا بالقائه ، فحينئذ يأمن الخائف ، ويخاف الآمن ، هنالك يتنبه من كان اليوم في نوم غفلته ، وينقطع قلب المفرّط بما يتجرع من حسرته ، ويندم على ما ضيعه من سالف مدته ، ويتضاعف ألمه إذا نوقش على قبيح زلته ؛ فيا حسرة على من حمل الأمانة ، ثم كشف ديوانه فإذا هو خائن ، فسبحان من قدّر وقسم ، وأبرم وحكم ، وخلق الأنوار والظلم ، وجعل توبة عباده الندم ، وعلم ما كان وما هو كائن .
أحمده على جميع أفضاله ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له في صفاته ولا شريك له في أفعاله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أثلج حرارة الصدور ببارد زلاله ، صلى اللّه عليه وسلم وعلى جميع عترته وأصحابه وآله صلاة دائمة ما حرك ساكن الأشواق ذكر المواطن .
في قول اللّه عز وجل :
( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )
الآية . قال ابن مسعود عاتبنا اللّه سبحانه وتعالى بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين . وروى أن بعض الناس أصابتهم فترة في قلوبهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . قال بعض أهل المعاني هذا الكلام يشبه الاستبطاء ، ومعناه أما حان وقت الخشوع . أما حان أوان الرجوع ؛ أما حق على التفريط إسبال الدموع ، أما هذا وقت التذلل والخضوع ؟
وفي ذكر الإيمان في أول الآية تعريف بالمنة ، وإشارة إلى استبطاء ثمرته هذا الايمان وثمرته