تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أن تخشع قلوبكم هذا الإيمان ، وثمرته أن تبكوا على ما سلف من ذنوبكم ، ألم يأن للمؤمن أن يخشع ويتوب وينيب ؟ ألم يأن للغافل أن يتنبه ويجيب ؟ ألم يأن للمذنب أن يرجع من قريب ؟ ألم يأن للمريض أن يقف على باب الطبيب ؟ وقوله :
( أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )
يعنى القرآن ، فمن حضّر قلبه لذكر اللّه وأصغى بسمع سره لكتاب اللّه تعالى خشع قلبه ، قال تعالى :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ )
أي عقل وقلب حىّ بنور الموافقة ، حاضر على بساط المراقبة ، صاح عن سكر الغفلة غير معرض عن الاعتبار ، ولا مشغول بحديث الأغيار
( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )
أي أصغى بسمعه وهو حاضر بسره . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ للّه أواني ألا وهي القلوب فأقربها إلى اللّه ما رقّ وصفا وصلب » قال أبو عبد اللّه الترمذي : الرقة خشية اللّه تعالى ، والصفاء للإخوان في اللّه ، والصلابة في دين اللّه تعالى . ويقال شبّهت القلوب بالآنية ؛ فقلب الكافر إناء منكوس لا يدخله شئ من الخير ، وقلب المنافق إناء مكسور ما ألقى فيه من أعلاه نزل من أسفله ، وقلب المؤمن إناء صحيح معتدل ، يلقى فيه الخير فيصل ، لكن قلوب قوم طاهرة من دنس الغفلات والزلات فما ألقى فيها بقي طاهرا ، وقلوب قوم فيها دنس قليل يغلب عليه ما يلقى فيها من الطهور ، وقلوب قوم كثيرة الأدناس يغلب دنسها على ما يلقى فيها من الخير وربما امتلأت من الأدناس فلا تسع شيئا ، قال اللّه تعالى في حق المتطهرين
( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )
ذكّر العاصين عقوبتي ليرجعوا عن مخالفتي ، وذكر المطيعين ثواب طاعتي ليزدادوا من خدمتي ، وذكر عبادي ما صرفت عنهم من بلائي ، ومنحتهم من عطائي ، وأعددت لهم من لقائي ليستغرقوا أوقاتهم من ثنائى ، وقوله تعالى :
( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ )
وهم اليهود
( فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ )
بعد موسى ثم وقت الفترة بين عيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكفر النصارى واليهود
( فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )
أي كافرون ، ومعناه لم يبق منهم على الإيمان إلا القليل وهم الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويقال قسوة القلب إنما تكون لانحرافه