الفصل التاسع عشر في القلوب
الحمد للّه العليم الخبير ، الحي السميع البصير المجيب ، العلى الكبير الخالق البديع القدير ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، الملك الواحد الأحد الذي رفع السماء بغير عمد ، ودحا الأرض على الماء ومهد ، المنزه عن الصاحبة والوالد والولد ، الغنىّ عن الأدوات والجهات والأماكن ، زين السماء بزينة الكواكب ، وقابل بحكمته بين المشارق والمغارب ، فالعاصى مدبر كالهزيم الهارب ، والطائع مقبل كالخصيم الطالب . فانظر إلى حركات عساكرها « 1 » في الليل الساكن ، ينزل الماء من السماء فيمتد وجه الأرض بعد سكونه ، ويجريه بقدرته منقسما بين أنهاره وعيونه ، وينبت به الزرع والحب والفاكهة والأب « 2 » ، ويظهر من الروض أنواع رياحينه
( هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )
أدلة التوحيد ظاهرة ، ولكن عقل الغافل المنافق واهن . تأمل عجائب بدائع مصنوعاته ، وتدبر صفحات واضحات آياته ، وكف فكرك عن الجولان في صفاته ، فغاية العقل من الإدراكات العجز عن الإحاطة بعد إثباته ، لا غاية لجلاله ، ولا نهاية لكماله ،
هامش
( 1 ) العسكر : بمعنى الجيش ، كأنه يعنى بها جنود الحق سبحانه . ومنها قوله تعالى :( وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ).
( 2 ) الفاكهة والأب : الفاكهة : كل ما أكل رطبا . والأب : ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس .