الناس نيام وهم قيام ، الناس هجوع وهم ركوع ، الناس رقود وهم سجود ، الناس مع الخلق وهم مع الحق ، شتان ما بين من أنيسه المولى القريب ، وخلواته مع الحبيب من غير رقيب ، وبين من أوقاته تمرّ في غير طائل ، وسروره بغرور زائل ، ومسامرته في لهو وباطل قال القائل :
للّه قوم أخلصوا في حبّه * فاختارهم ورضى بهم خدّاما
قوم إذا جنّ الظلام عليهم * أبصرت قوما سجّدا وقياما
يتلذّذون بذكره في ليلهم * ويكابدون بذى النّهار صياما
فسيغنمون عرائسا بعرائس * ويبوّءون من الجنان خياما
وتقرّ أعينهم بما أحفى لهم * وسيسمعون من الجليل سلاما
ويقال الليل للمحبين سهر على كل حال ، فمن كان وقته وقت فراق وهجر ، فهو يقول :
كم ليلة قضيتها ساهرا * لّما تولّى هجركم معرضا
أطوف في ظلمائها مبصرا * وليس ضوء مثل ضوء الرّضا
فإذا كان يوم القيامة يكون الناس على جمر الغضا ، وعباد الرحمن على بساط الرضا ، الناس في الكرب والشقاء . وعباد الرحمن في القرب واللقاء ، جزاء السهر النظر ، وجزاء الغنى نيل المنى .
حجبت عينىّ عن رؤياك يا أملى * فلو مننت على عينىّ بالنّظر
حتّى أقول لعيني عند رؤيتها * هذا جزاء لطول الدّمع والسّهر
يا هذا سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجامعة ، تجتمع جنود الكسل ، فتتعلق بذيل التوانى ، وتزين حب النوم ، وتزخرف طيب الفراش ، وتخوّف برد الماء ، فإذا نارت شعلة من نار العزم أضاءت بها طريق القصد ، فسمعت أذن اليقين نداء : هل من سائل ، هل من مستغفر ، هل من تائب ؟
فقمت أفرش خدّى في التّراب له * ذلّا وأسحب أجفانى على الأثر