ولا تمش فوق الأرض إلّا تواضعا * فكم تحتها قوم همو منك أرفع
فإن كنت في عزّ وجاه ومنعة * فكم مات من قوم همو منك أمنع
قال اللّه تعالى :
( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً )
أي قالوا قولا فيه السلامة من الإثم من غير مقابلة ولا أذى ، وهذا من محاسن الأخلاق ، وقد أرشد إليه العليم الحكيم بقوله تعالى :
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
معناه ادفع إساءة من أساء إليك بإحسانك إليه تنقلب عداوته مودة . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الشّديد بالصّرعة إنّما الشّديد الّذى يملك نفسه عند الغضب » وقال علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه : أول فائدة الحليم أن الناس كلهم أنصاره .
وإذا المسىء جنى عليك جناية * فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
أحسن إليه إذا أساء فإنّه * من ذي الجلال بمسمع وبمنظر
وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « أمرت بمداراة النّاس » ويقال في المداراة سلامة الدنيا والدين ، وفي المقابلة تعريضهما للخطر :
ما دمت حيّا فدار النّاس كلّهم * فإنّما أنت في دار المدارات
من يدر دار ومن لم يدر سوف يرى * عمّا قليل نديما للنّدامات
ومن دارى الناس واحتمل أذاهم طلبا للسلامة لدينه فقد وافق الحكمة ، فإن من رأى الأفعال من اللّه تعالى لم يعتب على أحد من الخلق ، فهذا صاحب توحيد ومعرفة ، ومنهم من يحتمل الأذى ويراه جزاء لذنوبه فيشتغل بلومه لنفسه ، وآخر يحتمل الأذى امتثالا لريه وطلبا للثواب في الآخرة .
وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن » وفي الحديث « إنّ الرّجل ليبلغ بحسن الخلق درجة القائم باللّيل الظّامى بالهواجر » ولقى الأحنف بن قيس شخصا بمنى فزاحمه فشتمه ولم يعرف أنه الأحنف ، فلم يزل يسبه حتى وصل إلى عرفة ، فأمسك الأحنف زمام