الطعام ، وتدرّعوا بدروع التقوى حذرا من الآثام ، فلأجلهم يسقى الأرض الغيث ، وبدعائهم تجرى الغمام ، وبهم يسامج العصاة ويصفح عن الإجرام ، فإذا جاءهم الموت طاب لهم كأس الحمام ، وإذا دفنوا في بقعة افتخرت بتلك العظام ، فعلى الدنيا من بعدهم السلام .
فسبحان من طهرهم من الأدناس ، واصطفاهم لخدمته من بين الناس ، وسقاهم من شراب حبه أطيب كأس ، ما شربها صادق حق نزع من قلوبهم الغل ، وآواهم في ميدان الصدق في أوسع ظل ، وحماهم من العدو إذا ضحى يستزل ، منعك واللّه قيد الهوى حتى سار القوم ، وحبسك عن لحوقهم لذيذ النوم ؛ وقطعك فانى الشهوات عن ثواب الصوم ، والصلاة عندك أثقل من الصخر على الصدر ، والزكاة عندك أثقل من جبل أحد ، وصدرك في حديث الدنيا أوسع من البحر ، وفي العبادة أضيق من تسعين عقدة . أنت في شهواتك أجرى من جواد ، وفي العبادة أبطأ من أعرج ، يا من هو على نجاته أنوم من فهد ، ضيعت وقتا أنفس من الدّر .
إذا عرضت لك خطيئة وثبت كالنمر ، وإذا لاحت لك طاعة زغت كالثعلب ، تستعمل في معاملتك غدر الذئب ، وتقدم على حظك إقدام الأسد ، وتخطف الأمانة اختطاف الحدأة ، وما هذا وصف الصالحين .
قال سلمان الفارسي : كل ما شغلك عن اللّه تعالى من أهل أو مال فهو عليك مشئوم .
قال بعضهم : رأيت شابا جميل الصورة عليه عباءة خشنة . فقلت ما هذا اللباس ؟ قال يا أخي إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبيد ، فإن أعتقنى سيدي لبست ما شئت . وقال عيسى عليه الصلاة والسلام لأصحابه : الحقّ أقول لكم ، إنه من طلب منكم الفردوس فأكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب كثير في حقه .
ودخل رجل على أبي ذر فوجد بيته فارغا فكلمه في ذلك فقال : إن لنا بيتا أصلح من هذا ، فما كان عندنا من صالح متاعنا وجهناه إلى ذلك البيت ، فقال الرجل : لا بد لكم في هذا البيت من شئ ، فقال إن صاحب هذا البيت لا يدعنا فيه . وروى « أن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن ربك يقول لك أتحب أن أجعل لك هذه
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب — صفحة 173
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٧٣